فن وإعلام

قولٌ للدكتور خالد الصمدي: لا يُباع الصابون لقوم يكرهون الحمّام

محمد الخمسي (أستاذ باحث ومفكر)

إن الدكتور خالد الصمدي حمل قولي في برنامج «ديكريبتاج» على غير مقصده، بل اعتبر أن هذه هي المرة الثانية التي أتهجم فيها على مادة التربية الإسلامية. وهو في ذلك مفترٍ وكاذب عليّ؛ لأنني كنت في حالة عجز وصمم، ولم أكن أحضر البرنامج. وقد اتصل بي السيد عبد العزيز الروماني، الذي كان يسيره آنذاك، وبعد أن خرج بعض الأتباع جعلوا من الأمر أزمة وطنية. واتفقنا، أنا والسيد عبد العزيز الروماني، على توضيح الأمر، وكان ذلك عن طريق فضيلة العلامة السيد بنحمزة، حفظه الله، حيث جرى التنبيه إلى أمور جادة، من بينها أن هناك فرقًا بين عقل علمي موسوعي وعقل سياسي استغلالي.

 

وقد جرى التوضيح، بل والاعتذار، على اعتبار أن الأمر يتعلق بمادة تمثل مؤسسة لها مكانتها، وكان ذلك من خلال مداخلة وجيهة وحكيمة، لم تكن فيها حظوظ للنفس ولا انتقاص من أحد.

 

إلا أن ذاكرة السيد خالد الصمدي، التي يُفترض أن تستحضر أخلاق رواية الحديث، قد أساءت، مع الأسف، التعامل مع ذلك الحدث، إذ نسب إليّ قولًا لم يصدر عني، وأضافه إلى مواقفي دون حياء أو مروءة، وهو يعلم أن الواقعة موثقة بالصوت والصورة.

 

صحيح أن إساءات وردت في بعض المقاطع، لكنني لست، لمجرد مشاركتي في برنامج، سواء حضرت أم لم أحضر، وصيًّا على آراء الناس وأقوالهم. غير أن استهداف الأستاذ محمد الخمسي يبدو أمرًا يسيرًا؛ لأن الآخرين، في نظر بعضهم، فيلة يستطيعون دهسه يومًا ما!

 

فالعقل الباطن يشتغل في مثل هذه الأمور، بحيث يستحسن جلد أستاذ للتعليم العالي في الرياضيات، لا نصير له إلا الله، بينما يقتضي التعامل مع الآخرين الاحتياط عند مزاحمتهم الطريق.

 

وفي المداخلة الأخيرة التي عُرضت في برنامج «ديكريبتاج»، أشرت إلى قيمة سورة الحجرات، في مقابل علم المواريث، وهو علم جليل عجزت التشريعات البشرية عن بلوغ أفقه ومستواه. فكيف يُعقل أن أنتقص من علم أساسه الوحي الشريف، وأتلو بعض آياته في صلاتي؟ وهل يقبل عقل سوي أن يتجاهل عظمة التشريع الإلهي؟ وربما لو كتبت في ذلك لعجز الذين يعيشون على الحفظ بدل التأمل عن إدراك أسراره.

 

«ولكن لا يُباع الصابون لقوم يكرهون الحمّام».

 

وللسيد خالد الصمدي معي أربعة ملفات:

 

أولًا: الاختلاف على المستوى النقابي

 

هناك اختلاف بيني وبين السيد خالد الصمدي على المستوى النقابي، وهو عامل يبدو أنه يؤثر في نفسيته؛ فحين يحضر اسم محمد الخمسي، يذهب العدل والتوازن، ولذلك لا أنتظر منه إنصافًا، ولا أريد التفصيل في ذلك، فليس كل ما يُعلم يُقال.

 

ثانيًا: ملف اللغة العربية

 

أعتبر أن السيد خالد الصمدي ارتكب خطيئة كبرى في حق اللغة العربية، وأن هذا الملف يشكّل له عقدة نفسية. فقد استغله وزير التربية الوطنية حين كان كاتب دولة في الوزارة نفسها، ومرّر عليه ما لم يقبله حتى أعضاء حزبه وقيادته، وما لم تستطعه أحزاب ذات وزن تاريخي وسياسي. وستظل تلك الخطيئة تطارده، سواء حضر الخمسي أم غاب.

 

وحين كتبت عن ذلك، احتفظ بالأمر في نفسه؛ وكأن القاعدة لديه هي أن ما يجوز للآخرين لا يجوز لي، وكأن موضوع اللغة العربية شأن خاص به. فقد مرّر، أو مُرّر عليه، قانون لا نزال ندفع ثمنه إلى اليوم، وقدم خدمة للفرنكوفونية لم تحلم بها حتى أقوى الجهات المساندة لها في المغرب.

 

فهذه هي المعركة التي يحميه أتباعه من تناولها، وهم يؤكدون ليل نهار العلاقة بين التربية الإسلامية واللغة العربية. ولكن متى كان الجبناء يصنعون السياسة؟

 

ثالثًا: ملف التعاقد

 

سبق أن كتبت تدوينات وتدخلت مرارًا بشأن مأساة التعاقد، التي كان السيد خالد الصمدي مهندسها والمشرف عليها. وهو أمر لم يتقبله، ولم أجد لديه صبرًا أو حلمًا في التعامل مع النقد الموجّه إليه.

 

وكنت أعتقد أن انتماءه إلى حزب أحترمه، ويُفترض أنه يقدّر الديمقراطية في التعبير وإبداء الرأي، سيشفع لي في الاختلاف معه. غير أنني تأكدت أن ادعاء المرء ما ليس فيه تكذّبه شواهد الامتحان.

 

رابعًا: منطق الصراع واستدعاء المؤسسات

 

كلما أتيحت للسيد الصمدي فرصة، كتب بهذا المنطق وأنصت بهذا المنطق، وكأن الأمر وسواس قهري لا أملك إزاءه شيئًا. وهو يعلم أن لديه أتباعًا، وأن بعضهم قد يضع قوله فوق قول الصحابة، رضي الله عنهم، بل قد يتعامل مع مقررات التربية الإسلامية باعتبارها شأنًا خاصًّا به وبأتباعه.

 

ودائمًا ما يسعى، في تدويناته، إلى إقحام المؤسسات في خلافاته مع من يختلف معهم؛ إذ يبدأ، في الغالب، بذكر إمارة المؤمنين، وينتهي بخطيب الجمعة في حيه. وهي تقنية عفا عنها الزمن، وتجاوزها العقلاء، وليست دليلًا على صحة الموقف؛ لسبب بسيط، هو أن هذه المؤسسات تمثل المغاربة جميعًا، وليست موادّ أو عناوين لتأثيث التدوينات وتوظيفها في الخصومات.

 

الخلاصة الأولى

 

لو كانت هناك حسن نية، وكان المقصود هو التوضيح والتصويب، لطلب مني هذا العبد الضعيف توضيحًا وتفسيرًا، وربما تبيّن له الأمر على حقيقته. لكن، في سياق العلاقات القائمة بيننا، اختار أن يحجبني من صفحته، ثم يشنّ قصفًا عشوائيًّا وغير أخلاقي تحت غطاء الدفاع عن مادة التربية الإسلامية.

 

فمن كان مسكونًا بمنطق الصراع الذي لا معنى له، لن يكتب إلا ما كتب. وما يجمعنا أكبر مما نختلف فيه، لكن صاحبنا يسكنه الصراع من أجل حظوظ الدنيا، مغلّفًا ذلك بجلباب الآخرة.

 

ومن يجيد هدم الجسور، ويضيّق على حرية التفكير والتعبير في مجال يفترض أن يحتضنهما، لا أنتظر منه إنصافًا.

 

صحيح أن مادة التربية الإسلامية تستند، في مرجعيتها، إلى نصوص مقدسة، وعلى رأسها الوحي الشريف؛ لكن ليس كل من يشتغل في حقل التربية الإسلامية مقدسًا، أو مستقيمًا وفق ما تعارفت عليه الأمة من معايير الاستقامة. فكم من مدرس للتربية الإسلامية لا أثر لأخلاقها وقيمها في سلوكه! ويكفي أن نقرأ بعض التعليقات لنكتشف حجم التباعد بين ما يُدرّس من قيم وما يُمارس من سلوك. وقد ذهب بعضهم إلى الرجم بالغيب في مصائر الناس.

 

ويشفع لي هنا أمر تؤكده حسابات الاحتمالات: ما من مجموعة بشرية إلا وفيها أغبياء، ومنهم من لا يعرف خلفيات التدوينات، فيذهب مذهب حراس العقيدة وحراس الهوية. بل ذهب بعض الفساق إلى القول إن بحوث المنطق والرياضيات لا تعدو أن تكون بحوثًا في السمن، علمًا بأنني خصصت له دعاء الفجر، سائلًا الله أن أكون خصيمه يوم القيامة.

 

الخلاصة الثانية

 

لقد تصدقت بعرضي على بعض السفهاء؛ لأنني سأكون في حاجة إلى حسناتهم، فإن لم تكن لهم حسنات، أخذوا من سيئاتي.

 

في الخاتمة

 

أؤكد للسيد خالد الصمدي أنني كنت سآخذ بقوله على محمل النصيحة والصدق، لو كان سليم السريرة تجاهي. لكنه أظهر مرارًا ما أراه ضغينة، ولذلك لن يكون أهلًا لنصيحتي حتى يعدل معي.

 

ويشهد الله أنني لا أحمل في قلبي مثقال ذرة من سوء أو حقد عليه؛ فالأخطاء أخطاء، والناس لهم مكانتهم التي ينبغي أن تُحترم.

 

أنصحك بأن تعود إلى المشهد السياسي، وأن تصنع لنفسك مجدًا، دون أن تجعل من محمد الخمسي قربانًا تقدمه لأتباعك.