برز في خضم التطورات المستمرة التي تشهدها قضية الصحراء المغربية، نمط من الخطاب الإعلامي الرسمي والموجه من طرف بعض الدوائر في الجزائر، يحاول استباق الأحداث أو تشتيت الانتباه عن طريق التقليل من شأن أي متغيرات دولية بشأن ملف الصحراء المغربية، ومنها انتهاء ولاية بعثة "المينورسو".
هذا الخطاب، الذي يتوسل لغة الاستخفاف وطرح أسئلة استباقية من قبيل: "هل نهاية المينورسو تعني نهاية البوليساريو؟" أو "هل رحيلها يعني رفع الأعلام أو عودة المغاربة للعيش هناك؟"، يعكس في عمقه مفارقات منطقية وتاريخية تستوجب التفكيك والقراءة الرصينة بعيداً عن التهليل والتعبئة الظرفية.
أولاً: مغالطة "رفع الأعلام" و"الوجود المغربي".. خلط مقصود للحقائق التاريخية
يطرح الخطاب المذكور تساؤلات استنكارية حول ما إذا كان رحيل المينورسو سيعني رفع المغرب لأعلامه أو عودة مواطنيه للعيش في أقاليمه الجنوبية. وهنا تكمن المفارقة الأولى والجهل بطبيعة الجغرافيا والتاريخ:
-السيادة والرايات: فالأقاليم الجنوبية للمملكة ليست مناطق معزولة أو مستعمرات طارئة، بل هي جزء لا يتجزأ من التراب الوطني المغربي، ترفرف فيها الرايات المغربية وتُحفظ فيها سيادتها منذ قرون، وظلت المينورسو تعمل إلى جانب هذه السيادة ولم تكن يوماً مصدراً لها ولا مانعاً من ممارستها.
-الاستقرار والتنمية: إن الساكنة المحلية في العيون، الداخلة، السمارة وغيرها، تعيش حياتها اليومية بشكل طبيعي تماماً كباقي حواضر المملكة (الدار البيضاء، مراكش، طنجة). تشارك في الاستحقاقات الانتخابية الديمقراطية، وتدير شؤونها الإدارية والقضائية، وتستفيد من المشاريع التنموية الكبرى والعملة الوطنية، في ظل استقرار تام وبحضور مؤسسات الدولة. ومن ثمة، فإن الحديث عن "العيش هناك" كحدث مستقبلي مرهون بوجود بعثة أممية هو تزييف للواقع اليومي المعاش.
ثانياً: أين توجد "البوليساريو" حقاً؟
أما بخصوص التساؤل المثير للسخرية حول ما إذا كان رحيل المينورسو سيعني "رحيل البوليساريو من الصحراء"، فإن الواقع الميداني والقانوني يحسم الجدل بشكل قاطع:
-خريطة الميدان: لا وجود أو سيطرة لجبهة البوليساريو داخل الأقاليم الجنوبية للمملكة. فالمعطى الثابت هو أن الجبهة تنظيم يقيم ويتحرك خارج الحدود السيادية المغربية، وتحديداً في مخيمات تندوف فوق التراب الجزائري.
وبالتالي، فإن ربط وجود الجبهة بوجود أو غياب المينورسو على الأرض المغربية هو محاولة لتضليل الرأيغي العام وتوجيه الأنظار بعيداً عن الإشكال الحقيقي الذي يعاني منه هذا الكيان، والمتمثل في ارتباط مصيره بقرارات دولة الاحتضان وظروفها.
ثالثاً: السؤال الحقيقي.. من يتحمل وزر الأزمة الإنسانية والسياسية؟
بعيداً عن محاولات تصوير نهاية المينورسو على أنها تفصيل عابر، فإن السؤال الجوهري الذي يتجنب الخطاب الإعلامي الجزائري طرحه بشجاعة هو: ما مصير مئات الآلاف من المحتجزين في ورطة "المينورسو" وحقائق الميدان: قراءة في مفارقات الخطاب الإعلامي الجزائري تندوف بالجزائر؟ أولئك الذين رهنوا عقوداً من حياتهم بشعارات الوهم ودولة السراب، يجدون أنفسهم اليوم وجهاً لوجه أمام صحراء قاحلة، وأمام واقع سياسي ودولي يتغير لصالح الطرح المغربي (وعلى رأسه الاعترافات الدولية المتزايدة بمغربية الصحراء ودعم مقترح الحكم الذاتي).
إن المأزق الحقيقي يتمثل في كيفية تعبير الجزائر عن التزاماتها تجاه ساكنة تعيش ظروفا إنسانية صعبة في مخيمات خارج قواعد القانون الدولي.
إن محاولة التقليل من قيمة المتغيرات الأممية أو الدولية عبر صياغة أسئلة زائفة لا تعدو أن تكون محاولة لتخفيف وطأة الإحباط السياسي. فالمغرب في صحرائه، والصحراء في مغربها، والتنمية والسيادة أمران واقعان لا يحتاجان إلى تفويض أممي لتأكيدهما، بل إن المسؤولية الحقيقية اليوم تقع على عاتق من صنع الأزمة الإنسانية في تندوف لإيجاد مخرج يحفظ كرامة المحتجزين قبل أن تتقادم الأيام وتتغير المعطيات بشكل نهائي.






