إن جوهر المقاربة الروسية تجاه المغرب يرتكز على قاعدة اقتصادية وبراغماتية صلبة، فالمملكة بالنسبة لموسكو شريك موثوق ومحوري في مجالات الفلاحة والصيد البحري والتبادل التجاري، فضلا عن كونها بوابة واعدة للشراكة القارية الإفريقية. ومن هذا المنطلق، تدرك القيادة في الكرملين أن أي انزلاق نحو مواقف سياسية أو دبلوماسية مسيئة لمصالح الرباط الحيوية، ولا سيما في قضية الصحراء المغربية، سيكلفها كثيرا على صعيد الاستثمارات والمصالح المتبادلة.
ولهذا السبب ظلت الدبلوماسية الروسية في المحافل الأممية وخاصة داخل مجلس الأمن تحرص على اعتماد لغة متوازنة، تميل غالبا إلى الامتناع عن التصويت تجنبا للصدام المباشر، إدراكا منها بأن الحفاظ على شعرة معاوية مع الرباط مكسب إستراتيجي لا يستهان به في مواجهة محاولات الاستفراد الغربي بالقرار الدولي.
غير أن هذا التوازن البراغماتي تجلى في أبهى صوره التحليلية خلال المحطة الفاصلة التي شهدها مجلس الأمن مؤخرا. إذ لم يكن اللجوء الروسي لاستخدام حق النقض الفيتو نتاج "سوء تقدير" أو خطأ تكتيكي من الدبلوماسية الروسية المشهود لها بالدهاء، بل كان خطوة محسوبة بعناية تعكس وعيا عميقا بطبيعة الستاتيكو وعقم الآلية الأممية. فموسكو -مثلما تدرك الرباط تماما- كانت تقر بأن بعثة المينورسو تحولت عبر عقود طويلة، من مجرد آلية لمراقبة وقف إطلاق النار إلى عبء بيروقراطي وجمود مؤسساتي يخدم مصالح أطراف معينة تسعى لإدامة النزاع. ومن ثم، فإن إسقاط هذه الآلية لم يكن خسارة دبلوماسية، بقدر ما كان هدما لهيكل متصدع أصلا، تلاقت فيه الحسابات الروسية الرافضة للهيمنة الأحادية الأمريكية على صياغة القرارات مع المصلحة الاستراتيجية الضمنية للرؤية المغربية التي لا تهاب زوال صيغة استهلكت نفسها.
وما يؤكد هذه القراءة المتماسكة للنوايا والمآلات هو عنصر التنسيق المسبق، إذ كشف وزير الخارجية المغربي أن نظيره الروسي سيرغي لافروف أبلغه رسميا باتجاه موسكو لاستعمال الفيتو قبل يوم كامل من جلسة التصويت. هذه اللفتة الدبلوماسية تحمل بعدين بالغي الأهمية، أولهما احترام الشراكة الاستراتيجية مع الرباط وحرص موسكو ألا تفاجئ المغرب بموقف قد يبدو ظاهريا معطلا، وثانيهما الإدراك التام للنتائج والمخرجات. فالكرملين لم يكن غافلا عن أن الفيتو سيفضي إلى مأزق مؤسساتي ينهي مهام البعثة، وإنما مضى في خياره بمعرفة مسبقة بأن هذا المآل لن يغضب المغرب، بقدر ما سيعفيه من حرج التعامل مع آلية أممية عقيمة، ويفتح الباب أمام ترتيبات جديدة تفرضها الحقائق الميدانية والسياسية القائمة.
إن هذا التحول الدراماتيكي أدى في نهاية المطاف إلى "انقلاب السحر على الساحر" بالنسبة لخصوم المملكة، ونسف تماما الطرح القائل بتخبط القرار الروسي. فالطرف الوحيد الذي تضرر بنحو مباشر من انهيار مظلة المينورسو هو من كان يتخذ منها جدارا للتخفي وتعطيل الحلول الدائمة الجزائر والبوليساريو، بينما وجد المغرب نفسه أمام واقع جديد يتحرر فيه من قيود بيروقراطية دولية لم تعد تقدم شيئا لملف وحدته الترابية.
وعليه، يظل الخط الدبلوماسي الروسي محكوما بهاجس "تجنب الصدام" مع الرباط، والانتقال نحو تلاق ذكي للمصالح كلما دعت الضرورة. فلم يكن الفيتو الروسي سوى زلزال دبلوماسي محسوب بدقة، أثبتت من خلاله موسكو نديتها للغرب، وقدمت للمغرب -عن وعي وتقاطع استراتيجي صريح- مخرجا تاريخيا من نفق الجمود الأممي الطويل نحو مرحلة عنوانها حسم الواقع على الأرض وترسيخ السيادة.






