مجتمع وحوداث

بين هيبة الأستاذ وفوضى الفصل: هل تكفي النصيحة وحدها لضبط القسم؟...

لحسن أومادين

 

من السهل أن نتحدث عن التربية الحديثة، والحوار، والاحتواء النفسي، والعقوبات البديلة، وأن نطالب الأستاذ بضبط القسم دون اللجوء إلى العنف، لكن الصعوبة الحقيقية تبدأ حين نغادر قاعات التنظير وندخل إلى فصل دراسي مكتظ، يضم أربعين أو خمسين تلميذا، تتفاوت مستوياتهم المعرفية، وتختلف تربيتهم الأسرية، وتتباين استعداداتهم للتعلم واحترام النظام.

في واقع المدرسة المغربية اليوم، ولا سيما في السلكين الإعدادي والثانوي، لم يعد ضبط القسم مسألة بسيطة يمكن اختزالها في الابتسامة والكلمة الطيبة والنصيحة الهادئة. فالأستاذ قد يجد نفسه أمام تلميذ يثير الضحك أثناء الشرح، وآخر يتحدث بلا انقطاع، وثالث يصدر أصواتا لإرباك زملائه، ورابع يعتدي على غيره، وخامس يمزق أوراقه أو يقذف بأغراض زملائه، وسادس ينام فوق الطاولة، وغيرهم ممن يتعمدون التشويش واستفزاز الأستاذ واختبار حدود سلطته.

في مثل هذه الظروف، كيف يمكن للأستاذ أن يشرح درسه، ويحقق أهدافه التعليمية، ويراعي الفروق الفردية، ويحافظ في الوقت نفسه على حق بقية التلاميذ في التعلم، إذا كان مضطرا إلى إيقاف الدرس عشرات المرات لمعالجة السلوكات المزعجة؟

إن من لم يعش هذه التفاصيل يوميا قد يتصور أن الأمر لا يحتاج إلا إلى شيء من الصبر والحكمة وحسن التواصل. لكن من خبر الفصل الدراسي يعرف أن هناك فرقا بين تلميذ يرتكب خطأ عابرا ويستجيب للتوجيه، وآخر يحول التشويش إلى سلوك متكرر مع سبق الإصرار و الترصد، ويتخذ من تسامح الأستاذ فرصة لاختبار قدرته على التحمل. وهناك أيضا تلميذ لا يدرك خطورة سلوكه إلا حين يواجه إجراء تربويا حازما، واضحا ومتسقا.

ولعل أكثر ما يكشف هذه الحقيقة أن يدخل أستاذ إلى القسم، فينصرف التلاميذ إلى أعمالهم ويعم الهدوء، بينما يكفي دخول أستاذ آخر حتى تبدأ الحركة والضوضاء. وليس معنى ذلك أن الأول يمتلك حق إهانة التلاميذ أو تعنيفهم، بل قد يكون قد نجح في بناء صورة مهنية واضحة، قوامها الحزم والثبات والعدل، بحيث يعرف المتعلمون أن هناك قواعد لا يجوز تجاوزها، وأن لكل سلوك تبعاته.

وهنا تظهر الحرفية الحقيقية للأستاذ: أن يعرف متى تكفي النظرة، ومتى يكون التنبيه الهادئ كافيا، ومتى تستدعي الحالة حوارا فرديا، ومتى يصبح من الضروري تفعيل إجراء تأديبي رسمي. فالتلاميذ ليسوا نسخة واحدة، وما يصلح مع أحدهم قد لا يجدي مع غيره. غير أن المرونة في التعامل لا تعني التهاون، كما أن الحزم لا يعني القسوة، والرحمة لا تعني السماح بالفوضى.

ومن الخطأ أيضا الاعتقاد بأن كل مشكلات الانضباط يمكن حلها بالعقاب وحده. فالأستاذ الذي يترك التلاميذ دون انشغال فعلي، أو يقدم درسا لا يراعي مستوى المتعلمين، قد يساهم من حيث لا يقصد في خلق ظروف التشويش. إن تنويع الأنشطة، وإشراك التلاميذ في التعلم، وتدبير زمن الحصة، وتوضيح المطلوب منهم، كلها عوامل تساعد على الحد من الفوضى. لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن جودة التدريس، مهما بلغت، لا تمنع جميع السلوكات المعرقلة، ولا تعفي المؤسسة من ضرورة توفير آليات فعالة للانضباط.

ولنتأمل المفارقة داخل بعض الأسر: قد يعجز الأبوان، رغم وجود ثلاثة أو أربعة أبناء فقط، عن ضبط سلوكاتهم دون صراخ أو تهديد، ثم نطالب أستاذا واحدا بالسيطرة على اربعين إلى خمسين تلميذا، في مرحلة عمرية حساسة، وبوسائل محدودة، ودون أن نمنحه دائما الدعم المؤسسي اللازم. فكيف نطالبه بنتائج لا نهيئ لها شروط النجاح؟

ومع ذلك، لا ينبغي أن نقع في فخ تبرير العنف بحجة صعوبة الواقع. فالضرب والإهانة والسب ليست دليلا على الكفاءة التربوية، وقد يفرضان صمتا مؤقتا لا احتراما حقيقيا. كما أن بعض التلاميذ قد يخضعون خوفا، لكن الخوف وحده لا يبني شخصية متوازنة ولا يخلق علاقة سليمة بالمدرسة. إن الأستاذ القوي هو الذي يستطيع فرض النظام دون أن يمس كرامة المتعلم، ويعرف كيف يحمي سلطته المهنية دون أن يحول القسم إلى ساحة لتصفية الحسابات.

لكن رفض العنف لا ينبغي أن يتحول إلى مطالبة الأستاذ بالاكتفاء بالنصيحة، مهما تكرر السلوك ومهما بلغ أثره في بقية التلاميذ. فهناك فرق بين العقاب البدني المرفوض والإجراء التأديبي المشروع. ويمكن للمؤسسة أن تعتمد، وفق القوانين والضوابط المعمول بها، إجراءات تربوية متدرجة، مثل الإنذار، والاستدعاء، والتواصل مع الأسرة، والإحالة على الإدارة، والتكليف بإصلاح الضرر الذي تسبب فيه التلميذ، والمساهمة في أنشطة نافعة ومناسبة لعمره، مع مراعاة كرامته وسلامته. أما الأعمال المهينة، أو التنظيف العقابي للفضاءات الصحية، أو أي إجراء يمس كرامة المتعلم، فلا ينبغي أن تكون بديلا عن الضرب.

المشكلة ليست أن الأستاذ مطالب باحترام حقوق التلميذ، فهذا واجب لا نقاش فيه، وإنما المشكلة حين يجري الحديث عن حقوق المتعلم بمعزل عن واجباته، وحين يتحول الدفاع عن كرامته إلى تجاهل لحق زملائه في التعلم، أو إلى التشكيك المسبق في كل أستاذ يحاول فرض النظام. فالحق في التعليم لا يعني الحق في التشويش، ورفض العنف لا يعني إلغاء سلطة الأستاذ، كما أن حماية الطفل لا تعني إعفاءه من تحمل مسؤولية سلوكه.

إن القسم ليس فضاء لتفريغ الرغبات دون ضوابط، بل بيئة للتعلم والتكوين والتعايش. ولا يمكن أن يؤدي وظيفته إذا لم يشعر التلميذ المجتهد بالأمان، وإذا اضطر الأستاذ إلى استنزاف معظم طاقته في مواجهة السلوكات المعرقلة، بدلا من توجيهها إلى الشرح والتأطير والدعم.

لذلك، فإن إصلاح المدرسة العمومية يقتضي الانتقال من الخطاب العام إلى حلول واقعية: أقسام أقل اكتظاظا حيثما أمكن، وتكوين عملي في تدبير السلوك، ودعم نفسي واجتماعي للحالات التي تستدعيه، وتعاون حقيقي بين الأسرة والمدرسة، وإجراءات تأديبية واضحة تطبق بعدل، وحماية مؤسسية للأستاذ من الاعتداء والإهانة، مع ضمان حق التلميذ في الإنصاف وعدم التعرض للعنف.

إننا لا نحتاج إلى أستاذ متسلط يخيف التلاميذ، ولا إلى أستاذ منزوع الصلاحيات يكتفي بمناشدتهم الهدوء، بل نحتاج إلى أستاذ متمكن، حازم، عادل، قادر على إدارة القسم، وإلى مؤسسة تقف إلى جانبه حين يطبق القواعد المهنية والقانونية.

فلا تربية بلا حدود واضحة، ولا انضباط بلا مسؤولية، ولا تعليم ناجح في قسم تضيع فيه حقوق المتعلمين بسبب سلوكات بعضهم. وبين التساهل الذي يفتح الباب للفوضى، والقسوة التي تهدر الكرامة، توجد مساحة واسعة من الحزم التربوي المسؤول، وهي المساحة التي ينبغي أن تستعيد المدرسة المغربية ثقتها بها.

إن احترام التلميذ لا يعني تركه يفعل ما يشاء، كما أن فرض النظام لا يمنح الأستاذ الحق في إيذائه، فالتربية الحقيقية تجمع بين الكرامة والانضباط، وبين الحقوق والواجبات.