مجتمع وحوداث

هل يكفي رفع سن الولوج إلى مباريات التعليم إلى 40 سنة؟

غزلان أزندور

هل يكفي رفع سن الولوج إلى مباريات التعليم إلى 40 سنة إذا كانت معايير الانتقاء تعاقب من تأخروا في الحصول على شهاداتهم

 

تابعت باهتمام قرار رفع سن الترشح لمباريات التعليم إلى 40 سنة، باعتباره خطوة نحو توسيع فرص الولوج إلى الوظيفة العمومية، والاستجابة لمطلب مشروع ارتبط طويلا بالنقاش حول الحق في الشغل وتكافؤ الفرص في انتظار رفعه الى 45.

غير أن هذه الخطوة تضعنا أمام سؤال حقوقي أعمق: هل يكفي أن نفتح باب الترشيح أمام الجميع، إذا كانت معايير الانتقاء نفسها قد تعيد إغلاقه أمام فئات واسعة من المترشحين؟

فالجدول المتداول لمعايير الانتقاء الأولي، يمنح 25 نقطة لمن حصل على الإجازة في سن 22 سنة أو أقل، مقابل صفر نقطة لمن حصل عليها بعد سن 24 سنة. أي إن معيار السن عند الحصول على الشهادة يمثل وحده 31.25% من مجموع نقاط الانتقاء الأولي، وهي نسبة مرتفعة تثير تساؤلات جدية حول تناسب هذا المعيار مع الغاية من المباراة، ومدى ارتباطه بالكفاءة المطلوبة لممارسة مهنة التدريس.إننا هنا لا نناقش مجرد تفاصيل تقنية في شبكة التنقيط، بل نناقش تصورا للعدالة والاستحقاق، ومدى انسجام السياسات العمومية مع المرجعية الحقوقية والدستورية للمملكة.

فالدستور المغربي، في تصديره الذي يشكل جزءا لا يتجزأ منه، يكرس حظر ومكافحة جميع أشكال التمييز، بسبب الجنس أو اللون أو المعتقد أو الثقافة أو الانتماء الاجتماعي أو الجهوي أو اللغة أو الإعاقة أو أي وضع شخصي مهما كان...... كما يؤكد الفصل السادس المساواة أمام القانون، ويلزم الفصل 31 الدولة بالعمل على تيسير الاستفادة من الحق في الشغل والتعليم على قدم المساواة.

وإذا كان من المشروع اعتماد معايير موضوعية لانتقاء المترشحين، فإن مشروعيتها الحقوقية تقتضي أن تكون مرتبطة بالكفاءة، ومبررة ومتناسبة مع الأهداف المتوخاة، وألا تنتج إقصاء غير مبرر لفئات بعينها.فمتى أصبح العمر الذي نحصل فيه على الشهادة مقياسا للاستحقاق العلمي أو الكفاءة البيداغوجية؟

هناك من اضطر إلى الجمع بين الدراسة والعمل لتأمين تكاليف تعليمه، ومن انقطع عن الدراسة بسبب الفقر أو المرض أو المسؤوليات الأسرية، ومن تحمل أعباء الرعاية، ومن لم تسمح له ظروفه الاجتماعية بالاستمرار في مسار دراسي منتظم. وهناك أيضا من عاد إلى مقاعد الدراسة بعد سنوات من الانقطاع، وخاض معركتين في الوقت نفسه: معركة مواجهة ظروف الحياة، ومعركة التحصيل العلمي والنجاح.ألا يستحق هؤلاء أن ينظر إلى ما حققوه باعتباره دليلا على المثابرة والقدرة على تجاوز الصعوبات، بدلا من أن يتحول تأخرهم الدراسي إلى عامل ينتقص من فرصهم؟

ثم إننا، في المغرب، نعبئ إمكانيات وبرامج لمحاربة الهدر المدرسي، ونعمل على تشجيع العودة إلى التعليم والتكوين، ونتحدث عن مدارس الفرصة الثانية والتعلم مدى الحياة والإدماج الاجتماعي والمهني. فما القيمة الفعلية لهذه الجهود إذا كنا نشجع الأشخاص على استئناف دراستهم واستكمال تكوينهم، ثم نضع أمامهم معايير قد تعاقبهم على السنوات التي فقدوها خارج المؤسسات التعليمية؟

كيف نقنع شابة أو شابا بأن العودة إلى مقاعد الدراسة فرصة لبناء المستقبل، إذا كان النجاح بعد مسار طويل وشاق سيمنحه نقاطا أقل، لا بسبب ضعف تحصيله، وإنما لأنه حصل على شهادته متأخرا؟

إن محاربة الهدر الدراسي لا تنتهي بإعادة الأشخاص إلى المدرسة أو الجامعة، بل تكتمل بفتح آفاق حقيقية أمامهم للاندماج الاقتصادي والاجتماعي والمهني. وإلا فإننا نخاطر بتحويل الفرصة الثانية إلى فرصة ناقصة، والنجاح الدراسي إلى إنجاز لا يجد الاعتراف المستحق عند الولوج إلى سوق الشغل.

وهنا يظهر الفرق الجوهري بين المساواة الشكلية والإنصاف الفعلي. فقد نطبق المعيار نفسه على الجميع، لكننا نتجاهل أن الجميع لم ينطلقوا من الظروف نفسها، ولم تتوفر لهم الموارد والفرص نفسها. بل قد تتحول بعض الامتيازات الاجتماعية التي مكنت أصحابها من متابعة دراسة منتظمة إلى امتيازات إضافية داخل منظومة الانتقاء، فيما يتحمل آخرون كلفة الحرمان مرتين: مرة خلال مسارهم الدراسي، ومرة عند البحث عن فرصة للعمل.

ولا يعني الدفاع عن الإنصاف إلغاء الاستحقاق أو التساهل في شروط الكفاءة، بل على العكس، يعني تحرير مفهوم الاستحقاق من الأحكام المسبقة المرتبطة بالسن والمسارات الدراسية النمطية، وربطه بالمعرفة والقدرات والمؤهلات الفعلية.

إن رفع سن الترشح إلى 40 سنة ينبغي أن تواكبه مراجعة منسجمة لمعايير الانتقاء، وخاصة وزن السن عند الحصول على الشهادة، حتى لا يصبح التوسع في الحق القانوني للترشح محدود الأثر في فرص المنافسة الفعلية.ومن حقنا أن نتساءل عن الأساس الموضوعي والعلمي الذي يبرر تخصيص ما يقارب ثلث نقاط الانتقاء لمعيار يرتبط بتوقيت الحصول على الإجازة، لا بمستوى التكوين أو الكفاءة المهنية.

فالسياسات العمومية لا تقاس فقط بما تعلنه من حقوق وفرص، وإنما أيضا بمدى اتساق آليات تنفيذها مع تلك الحقوق، وبقدرتها على إزالة الحواجز لا إعادة إنتاجها. إن الرهان ليس أن نسمح للجميع بتقديم ملفات الترشيح فحسب، بل أن نضمن لهم فرصا منصفة للتنافس، دون أن تتحول ظروفهم الاجتماعية أو أعمارهم أو تعثرات مساراتهم الدراسية إلى أحكام مسبقة على قدراتهم. ومن حق الإنسان أن يبدأ من جديد، وأن يتعلم متأخرا، وأن ينجح بعد التعثر، وألا يتحول الزمن الذي احتاجه لتجاوز ظروفه إلى عقوبة ترافقه كلما طرق بابا جديدا للمستقبل.

ويبقى سؤال آخر يستحق النقاش: ما حاجتنا أصلا إلى الانتقاء الأولي ما دام المترشحون يستوفون الشروط القانونية والأكاديمية المطلوبة؟ لماذا لا نفتح المجال أمام الجميع لاجتياز المباراة، ونترك للاختبارات الكتابية والشفوية والتقييم البيداغوجي مهمة التمييز بين الكفاءات؟ فبدل أن نحكم مسبقا على أهلية الأشخاص بناء على أعمارهم أو مساراتهم الدراسية، لنتح لهم فرصة إثبات قدراتهم في شروط تنافسية متكافئة. صحيح أن تنظيم مباراة بأعداد كبيرة يطرح تحديات لوجستية، لكن هذه التحديات ينبغي أن تدفع إلى البحث عن حلول تنظيمية، لا إلى إقصاء مسبق قد يحرمنا من كفاءات حقيقية. فليكن معيار الاستحقاق ما يستطيع المترشح إثباته في المباراة، لا الظروف التي مر منها قبل الوصول إليها.