رياضة

الخسارة المؤلمة

جواد النوحي (أستاذ جامعي)

لكل منا تاريخه مع كرة القدم، هذه الرياضة الأكثر شعبية. أما بالنسبة لي، فقد كانت معشوقتي منذ الصغر. لم يسبق لي أن فاتتني مباراة للمنتخب الوطني منذ أن وعيت، وكان أول احتكاك مباشر لي بأجواء الملاعب خلال مشاهدتي مباراة المغرب ومصر في إقصائيات كأس العالم سنة 1998، بمركب الأمير مولاي عبد الله.

أذكر أنني دخلت الملعب رفقة أصدقائي، وكانوا طبعًا ذكورًا، إذ كان حضور النساء آنذاك ضعيفًا، إن لم أقل منعدمًا (للإشارة، يجب الإشادة بهذا الاهتمام للمرأة المغربية بكرة القدم، لقد أعطى رونقًا لهذه اللعبة الساحرة)، بقينا في المدرجات خمس ساعات قبل انطلاق المقابلة، ولم تهدأ أعصابنا إلا بعد هدف صلاح الدين بصير في الشوط الثاني.

ولا أنسى انتظارنا في شارع محمد الخامس لتحية اللاعبين بعد مشاركتهم في كأس العالم بفرنسا في السنة نفسها، كما غمرتنا الفرحة بعد الانتصار على اسكتلندا، فرحة أفسدها تعادل البرازيل والنرويج.

وشاءت الأقدار أن أصبح مولعًا بمشاهدة مباريات المنتخب الوطني من داخل الملاعب، وكانت لتجربتي روسيا 2018 وقطر 2022 آثار عميقة في حياتي؛ بين دموع الهزيمة الصادمة أمام إيران بهدف بوحدوز، وفرحة الانتصارات التاريخية في قطر، من تصديات ياسين بونو لضربات الجزاء أمام إسبانيا، إلى هدف يوسف النصيري في شباك البرتغال.

لكن كأس إفريقيا لها حكاية أخرى، فالإحباط يستمر والكأس تغيب عنا وما زلنا نمني أنفسنا بالفوز بها في يوم ما حتى أصبح يخيل لي أننا قد نفوز بكأس العالم ولن نحقق كأس إفريقيا ثانية، ويكون لنا نفس المصير شأن الإنجليز مع كأس أوروبا. كنا دائمًا ندخل المنافسات من بين المرشحين، ونغادرها من دور الثمن أو الربع. أضعنا الكأس الغالية في بلدنا مرتين، رغم امتلاكنا لأجيال ذهبية في كرة القدم المغربية، من الظلمي وبودربالة والزاكي وغيرهم، وصولًا إلى بونو وحكيمي ودياز والعبناوي والبقية.

يا لها من صدمة تلك الهزيمة أمام الكاميرون بالدار البيضاء سنة 1988، وذلك الكابوس أمام السنغال بالرباط بالأمس.

من المؤكد أن هناك حسرة، وهناك قلق، بل وحتى انتقاد.

لكن الواقع يفرض علينا توجيه التحية للاعبين؛ لقد بذلوا مجهودات كبيرة وعبروا عن وطنية صادقة. ونفس الأمر ينطبق على المدرب وليد الركراكي، الذي لا ينبغي أن تنسينا الهزيمة ما قدّمه للكرة المغربية. كما لا يمكن إغفال دور القائمين على تدبير الشأن الرياضي، إذ إن ما نشهده اليوم هو وجود صناعة كروية مغربية حقيقية، تحتاج إلى قراءة أكثر عمقًا يحضر فيها الفكر الواعي، وليس الإشادة بدون قيود ولا النقد السوداوي، فالأهم أن نفهم شيئًا أن الاهتمام بالرياضة عمومًا وبكرة القدم بالخصوص ليست مسألة ترف أو هامشية، فهناك الحديث عن اقتصاد الرياضة، والعائد للاستثمار في الرياضة، والرياضة كقوة ناعمة.

عطفًا على ما سبق نحن في حاجة إلى تقييم علمي للسياسة الرياضية المغربية، والأفق بلورة سياسة عمومية رياضية مندمجة. قد لا تكون هذه التدوينة وفي وسائل التواصل الاجتماعي المقام المناسب لمناقشتها، وقد لا أكون مؤهلًا لذلك، لكن الأهم أن نُصغي إلى المختصين الحقيقيين، وأهل الميدان، والغيورين على كرة القدم.

ورسالة أخرى للجمهور الرياضي المؤمن بكرة القدم، المقدر لقيمتها، والعاشق لها، أن التشجيع لا يجب أن يكون ظرفيًا ولا لحظيًا. فدعم المنتخب الوطني مسلسل لا ينتهي ولا مرتبط بسياق أو بامتياز، وإنما بحب وعشق ملؤه الشعار الخالد: الله، الوطن، الملك.

وعليه، فالموعد القادم إن شاء الله بالولايات المتحدة الأمريكية، في مباريات أولها بنيوجيرسي يوم 14 يونيو 2026 أمام البرازيل، ثم بوسطن ضد اسكتلندا، وأتلانتا ضد هايتي، وصولًا إلى غمار مباريات كأس العالم في أدوار ما بعد المجموعات. ولا يجب أن ننسى الموعد الإفريقي القادم في تنزانيا وكينيا وأوغندا صيف 2027.

برافو لهذا الجيل، فدموعكم غالية، وعطفنا عليكم دائم، وتشجيعكم واجب… فالقادم أفضل بإذن الله.