عموما، لا نركز ولا نربط الاضطرابات المرتبطة بالمجتمع التي نعالج بالتصورات الجماعية، ونادرا ما نناقشها من الجانب النفسي السياسي، ولكن يمكننا القول إن التحليل النفسي للحقائق السياسية يدمج بين مختلف التحديات.
وفقا لفرويد، الذي كان يؤمن بأن «نظرية اللاوعي النفسي يمكن أن تكون ضرورية لجميع العلوم التي تتعامل مع النظام الاجتماعي»، فإن التفكير النظري الذي يستند إلى بعض الحقائق السياسية كمرجع هو أمر ممكن ومقبول ومشروع.
ولهذا سأركز على الإشكالية التي تطرح سؤال العلاقة بين النرجسية والسلطة. المشكلة ليست جديدة ولا حتى التأملات التي تثيرها، ولكن أبعادها الحالية خصوصا ما قام به البعض اتجاه المغرب من زاوية الأحداث الأخيرة كبلد منظم لكأس إفريقيا، تتطلب التفكير فيها بكل واقعية.
بعيدا عن الأزمات السياسية، لقد أصبحت النرجسية هي من تنظم العلاقات بين الدول عبر وسائل الإعلام، مثل العلاقات داخل المجتمع الإقليمي أو الدولي بين السلطات السياسة، ووسائل الإعلام (التي تعتبر وسيلة)، والأشخاص (المواطنين)، حيث يكمن مثلث المرايا كمساحة من الأوهام في ذهن الحكام.
ومن هنا تتعلق ظاهرة الاغتراب في السياسة بشكل مباشر بتغطية وسائل الإعلام وانتشارها على نطاق واسع، حيث تزداد وضوح العناصر المرضية النفسية بشكل متسارع… هنا تعاني السلطة من اضطراب نرجسي يشبه متلازمة الهوس الاكتئابي، يكون همها التظاهر بالموثوقية ليس في حل مشكلات المجتمع، بل في إرساء تواصل مزيف حيث لا يكون الأمر لصالح القيادة، حيث يتعلق بانتصار الصورة على الفكر والمبدأ، هنا يستغل السياسيون ويستعملون بشكل مسيء الأنا.
نشعر بانطباع أن هناك تحولا في العلاقات بين الدول، كان بطيئا في البداية، ثم تسارع أكثر فأكثر، يرتبط بالمخاطر والأزمات الاقتصادية والأخلاقية والسياسية والتحديات غير المؤكدة لنمط آخر من الإنتاج. وبالتالي، تدريجياً، يُرسخ شعور بأزمة المجتمع أو حتى النظام، وينشر متلازمة نفسية جماعية تُسمى من قبل بعض المفكرين المعاصرين بالنرجسية، بسبب عدم اليقين، كما أن هناك عنصر آخر يتعلق بالإحساس بالاكتئاب والقلق نتيجة لتغيرات الحياة داخل المجتمع.
من جهة ثانية، يُعرف أن الأفراد المصابون بالاكتئاب الشديد يتعرضون لمجموعة من ردود الفعل المتباينة، بدءا من الإخفاء والغضب، وعدم القدرة على التعبير عن المشاعر الإيجابية، والرغبة في الإثارة، والخوف من المستقبل… كل ذلك يتماشى مع التوتر الاجتماعي.
ومن الممكن إذن، بكل موضوعية، أن نطرح فرضية نفسية سياسية مفادها أن هذه الأعراض الفردية تجد صدى معينا لدى السلطة، إلى الحد الذي يؤدي إلى ردود أفعال جماعية تتجلى صورتها الإيديولوجية في رؤى ومعتقدات وهمية من قبيل أفكار مشوشة أو غير معقولة، ومن خلال تصورات الحقائق والأشخاص تحت تأثير الأيديولوجيات الوهمية والتحيزات الاجتماعية والعرقية والانتماءات الوطنية.
ومن بين ما ينتج عن ذلك، الأجواء السياسية المضطربة التي تتميز بفاعلين لا يجرؤون على الاعتراف بعدم أصالتهم أو عدم قدرتهم على التعامل مع مشكلات المجتمع الذي أصبح من الصعب حكمه، ولتفادي الفوضى في المجتمع الذي يتجه نحو الانهيار، فإن الفعل السياسي أصبح مصدرا للأزمات لبلدان الجوار. وتتوقف السياسة عن كونها رافعة للجميع ليصبحوا غاية، وأقلية هي من تستفيد من الوضع، سياسة محكوم عليها بإظهار وجهها كظاهرة مريضة، حيث أن شكلها السياسي هو السلطة النرجسية الإعلامية.
أما التأثير الآخر، الذي أصبح أمراً بديهياً، فهو اغتراب الثقافة الإنسانية، حيث إن المكانة والمواقف التي يتبناها الحكام يتم تعديلها بواسطة استراتيجيات تجيب عن أعراض النرجسية التي تحول المواطنين إلى مجرد أدوات في يد السلطة. تتقاطع هذه الصور، وتعيد إنتاج نفسها، باعتبارها انعكاسا لأخلاق وأيديولوجيات في خدمة الوظيفة السياسية، ولهذا فإن هذه الصور تمثل الفجوة بين واقع العالم السياسي الدولي الذي يعيش على التنافس والتجاذبات وفي بعض الأحيان القوة والواقع الذي يعيشه هذا العالم الآخر المضطرب.
إن السلطة في هذا العالم تتأمل نفسها في الشاشات بحثا عما يمكن مشاركته، ولكن أيضا عن الرضا الذاتي النرجسي، مدفوعا بالحاجة الشديدة إلى الشعور بالإعجاب والأهمية؛ في التصنيف النفسي، يتعلق الأمر بمشكلة تتجلى أيضا من خلال الافتقار إلى الإيثار الاجتماعي والعطاء الذاتي، حيث يسعى الشخص النرجسي إلى إرضاء نفسه، من خلال صورته الخاصة وصورة الهيمنة وامتلاك السلطة.
وكنتائج لذلك فالسياسي لا يهتم كثيرا بإنجاز المشاريع، لكنه يكتفي بالإغواء والفوز والبقاء في السلطة، وهكذا فإن الانطباع الذي يتركه لدى الآخرين فقط هو الذي يهم، حيث لا يكون المهم هو الحقيقة ولكن استبدال الحقائق بتصريحات تذكرنا بخطاب الدعاية المخادعة.
إن هذا الموقف من الانفصال الناجح يصبح أكثر فعالية عندما يصبح المواطنون غير أيديولوجيين وغير أكفاء ديمقراطيا، في مجتمع يفتقر للثقافة السياسية. وهو انفصال يساهم في فك الارتباط وشلل إرادة التقدم الاجتماعي، وتجنب إعطاء معنى جماعي للوجود، من أجل الهروب نحو الهروب.
لقد مرت رياح الديمقراطية النرجسية من هنا…






