سياسة واقتصاد

هل يخشى أخنوش استثمار لقجع "نجاحات الكان" في انتخابات 2026؟

الحسن زاين

في لحظة سياسية لافتة، اختار رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، منبر مجلس النواب ليوجه رسائل "مشفرة" لم تمر مرور الكرام على المتابعين للشأن الرياضي والسياسي بالمملكة. 

فخلال تعقيبه في جلسة الأسئلة الشهرية يوم الاثنين 19 يناير، لم يكتفِ أخنوش بالإشادة بمستوى المنتخب الوطني في "كان 2025"، بل وضع النقاط على الحروف بخصوص "الأبوة" الفعلية لهذا النجاح.

​أخنوش، وفي معرض حديثه عن الرسالة الملكية الموجهة للمنتخب الوطني عقب بلوغه النهائي، قال بلهجة حاسمة: "باش حتى واحد فينا ما يمشي غالط، هذ المجهود ديال واحد الرجل واحد السيد، هو جلالة الملك".

​هذه العبارة بالتحديد، "حتى لا يذهب أحدنا بعيداً في الفهم الخاطئ"، اعتبرها محللون بمثابة "فرملة" سياسية لكل من يحاول استثمار النجاح الرياضي كإنجاز شخصي أو مؤسساتي معزول عن الرؤية الاستراتيجية للجالس على العرش.

و​يأتي تصريح رئيس الحكومة في غمرة احتفاء شعبي ودولي بنجاح المغرب في تنظيم نهائيات كأس أمم إفريقيا، وبالأداء البطولي لـ "أسود الأطلس" رغم خسارة اللقب في سيناريو دراماتيكي. وبينما كانت الأنظار تتجه صوب فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، الذي ارتبط اسمه في الوجدان الشعبي بـ "مهندس" الانتصارات الكروية، جاء تدخل أخنوش ليسحب البساط من تحت أقدامه ويوجه البوصلة إلى "الرؤية الملكية".

ويرى محللون أن هذا التصريح لم يأتِ بشكل عبثي، فمن خلال إعادة ربط الإنجاز حصراً بالرؤية الملكية، بدا أخنوش وكأنه يسعى لتحجيم أي "تضخم" في الرأس مال الرمزي لأي مسؤول قطاعي، وتذكير الجميع بأن الجامعة والمؤسسات التنفيذية ليست سوى أدوات لتنزيل استراتيجية عليا، وهو ما يفرغ محاولات "الأبوة الشخصية" للنجاح الرياضي من محتواها السياسي، ويضع حداً للمد المتصاعد لشعبية "التكنوقراط" الذين باتوا يزاحمون السياسيين في ملاعب القيادة.

​ويتجاوز هذا التدافع حدود الرياضة ليلامس جوهر الصراع السياسي مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية لسنة 2026؛ إذ يبدو أن رئيس الحكومة وفريقه السياسي بدأوا يستشعرون مبكراً سخونة الأجواء الانتخابية وضرورة ضبط الخريطة السياسية. 

فالنجاح الباهر في تنظيم "الكان" والوصول للنهائي، خلق نوعاً من "الفائض في الرضا الشعبي" الذي تسعى كل جهة لاستثماره أو، على الأقل، منع الخصوم والمنافسين المفترضين من احتكاره. 

وفي ظل الحديث المتزايد عن إمكانية بروز وجوه "تكنوقراطية" أو أسماء قوية من داخل تدبير الشأن الرياضي في الاستحقاقات المقبلة، جاء كلام أخنوش ليعيد الجميع إلى "مربع الانضباط"، مانعاً تحويل المنجز الوطني إلى رافعة انتخابية لأي طرف كان.

​إن هذا التدافع الانتخابي المستتر وراء لغة الإشادة بالرياضة، يكشف عن مخاوف من تغيير في توازنات القوى قبل حلول سنة 2026؛ حيث يسعى أخنوش من خلال هذه القراءة للرسالة الملكية إلى قطع الطريق أمام أي محاولة لاستغلال "نشوة الانتصارات" في بناء تحالفات أو طموحات سياسية قد تشوش على التحالف الحكومي الهش أو على ترتيبات المرحلة المقبلة.

 وبذلك، يكون رئيس الحكومة قد مارس نوعاً من "الحمائية السياسية" لإنجازات الدولة، محولاً إياها إلى سد منيع يمنع استقواء أي فاعل طموح برصيد "الكرة" في معترك "السياسة"، مؤكداً أن النجاح في المغرب هو قرار ملكي أولاً وأخيراً، ولا يقبل القسمة على الطموحات الفردية أو الانتخابية الضيقة.

وفي المقابل، يرى متتبعون أن إقحام المؤسسة الملكية في تفاصيل التدافع الانتخابي وسيلة "سهلة" لكنها مكلفة سياسياً، لأنها تفرغ العمل الحكومي من جوهره التنافسي القائم على الأرقام والنتائج. فالمغاربة الذين صفقوا لنجاح "الكان" يدركون جيداً توزيع الأدوار بين الرؤية الاستراتيجية للملك والجهد الميداني للمسؤولين، ولا يحتاجون لـ "وصاية" سياسية تملي عليهم من يشكرون ومن يتجاهلون. 

ونبهوا إلى أن استمرار رئيس الحكومة في نهج "السياسة بالوكالة" عبر الاختباء خلف الإنجازات الملكية، قد يرتد عكساً في محطة 2026، حيث ستكون الصناديق في انتظار حصيلة الحكومة الفعلية، وليس في انتظار مدى قدرة رئيسها على تأويل الرسائل الملكية لصالح أجندته الحزبية الضيقة.