تحليل

حين تدار العدالة بذاكرة انتقائية، يصبح الخطأ وجهة نظر

سناء بوصوف

ليست العدالة ممارسة ظرفية، ولا رد فعل آني، بل منظومة قيم تقوم على الاتساق، والحياد، واستحضار الوقائع كاملة غير منقوصة. وحين تدار هذه المنظومة بذاكرة انتقائية، فإنها تفقد معناها الجوهري، ويتحول القرار من تطبيق للقانون إلى تأويل يخضع للميزان المختل.

في الواقعة محل النقاش، لم يكن الخلاف حول غموض قانوني، ولا حول تقدير تحكيمي قابل للتأويل، بل حول واقعة واضحة، ضربة جزاء صحيحة وفق النصوص المنظمة للعبة. ورغم ذلك، اختار الطرف الآخر الانسحاب من الملعب، في سلوك يمثل خرقا صريحا لروح المنافسة قبل قواعدها. غير أن مسار المساءلة لم يتجه نحو الفعل الأصلي، بل انصرف إلى نتائجه، فصار احترام القانون مدعاة للعقاب، وصار الانسحاب فعلا يلفه الصمت.

إن العدالة التي تغفل السياق، وتقتطع الحدث من تسلسله، عدالة تفتقد إلى الإنصاف، لأن الإنصاف لا يتحقق إلا بربط السبب بالمسبب، والفعل بأثره. أما حين يتم استحضار الوقائع بانتقائية، فإن الخطأ لا يعود خرقا للقانون، بل يتحول إلى وجهة نظر، ويصبح الالتزام بالقواعد عبئا سياسيا أو رمزيا.

ولا يمكن عزل هذه القرارات عن بعدها المعنوي، لأن كرة القدم في القارة الإفريقية ليست مجرد تنافس رياضي، بل فضاء جامع لشغف الشعوب، ومجال لتجسيد قيم العدالة، وتكافؤ الفرص. وحين يشعر هذا الشغف بأن الميزان لا يميل بالقانون بل بالأهواء، تتآكل الثقة في المؤسسات، ويتحول الحكم من ضامن للإنصاف إلى طرف في النزاع.

إن العقوبات التي صدرت في هذا السياق لا تثير فقط جدلا رياضيا، بل تفتح نقاشا أعمق حول معنى العدالة ذاتها، وحول قدرة المؤسسات على الفصل بين القانون وردود الفعل. فإما عدالة واحدة، تطبق بمعيار واحد، أو ذاكرة انتقائية تفرغ النصوص من مضمونها، وتجعل من الخطأ وجهة نظر، ومن الشرعية استثناء.