كيف يمكن لتقرير إعلامي تقني، يفترض فيه الحياد والتوثيق، أن يتحول إلى مرآة تعكس اختلالات موازين القوى في الحقل الجيوسياسي؟
وهل يمكن قراءة ما بين السطور في وثائق الأمم المتحدة ليس كمجرد سرد للأحداث، بل كمؤشر على تحولات عميقة في منطق الفعل الدبلوماسي الدولي؟
تقرير بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء (MINURSO) ليوم 29 يناير 2026، بقدر ما يلتزم شكليًا بتسجيل الأحداث والتصريحات، فإنه يكشف، عبر ترتيبه وانتقائه وتأطيره، عن مشهد متشابك تتقاطع فيه السرديات وتتنازع فيه الرؤى.
هذه القراءة تتجاوز الوقائع الظاهرة لتغوص في البنى التحتيّة للخطاب الدولي، محاولةً تفكيك كيف تُنتَج الشرعية، وكيف تتآكل السرديات التقليديّة، وكيف يصبح الملف موضوعًا لـ"اشتباك رمزي" تتداخل فيه الحسابات الإقليميّة مع المنطق البراغماتي للدول الكبرى.
- أولاً: الواقعيّة البراغماتية كمنطق سائد: تفكيك الموقف الدولي المتحول
لم يعد السؤال المركزي يدور حول شرعيّة هذا الموقف أو ذاك من النزاع في شكله القانوني المجرد، بل تحول إلى سؤال آخر: أي منطق يتحكم اليوم في رؤية الفاعلين الدوليين الرئيسيين؟
يبدو أن التقرير، من خلال رصده لتكرار التأكيد الأمريكي على مبادرة الحكم الذاتي كـ"أساس واقعي وحيد"، والتطور الأوروبي نحو إشراك المغرب في التدبير الإنساني بمخيمات تندوف، يشير إلى هيمنة مقاربة "الواقعيّة البراغماتية". هذه المقاربة تتجاوز النقاش الأخلاقي أو القانوني المثالي لتركز على معايير الاستقرار والشراكة والفعالية.
فالدعم الأمريكي المستمر عبر إدارات متعاقبة لم يعد مجرد موقف سياسي، بل تحول إلى "سياسة دولة" تعكس تقديرًا للمصالح الجيواستراتيجية للمغرب في مواجهة التحديات الأمنيّة في الساحل الإفريقي والغرب المتوسطي.
وبالمثل، فإن خطوة الاتحاد الأوروبي لا يمكن اختزالها في بعدها الإنساني التقني؛ إنها في جوهرها اعتراف ضمني بـ"السيادة الفعليّة" للمغرب على إدارة وتدبير الشأن الجهوي والإقليمي والمحلي في هذه المنطقة، ونقل للملف من دائرة النزاع المجمد إلى دائرة التعاون العملي.
هنا، يصبح التساؤل عن مدى قدرة أي خطاب منافس على الصمود في وجه هذا التحالف الواسع بين منطق المصالح والواقع الميداني.
- ثانيًا: سوسيولوجيا السردية المنافسة: بين التعبئة الداخلية والعزلة الدولية
إذا كان الخطاب الدولي الداعم للمقاربة المغربية يرتكز على معجم "الواقعيّة" و"الاستقرار" و"الشراكة"، فما هي المقومات السوسيو-سياسيّة التي تستند إليها السرديّة المنافسة؟
يلمح التقرير إلى تصعيد في خطاب جبهة البوليساريو وحلفائها، يركز على "تصفيّة الاستعمار" و"حق تقرير المصير" و"الانتهاكات". بيد أن التحليل البنيوي لهذا الخطاب يكشف عن وظيفتين رئيستين:
1. وظيفة تعبوية داخلية تهدف إلى الحفاظ على التماسك الجماعي والهُويّة السياسيّة في ظل واقع متجمد؛
2. ووظيفة إعلاميّة خارجيّة تسعى إلى استمرار استدعاء القضية في المحافل الدولية.
غير أن الفجوة تبدو متسعة بين هذا الخطاب الثابت في معجمه والمتحول في سياقه الدولي. فشروط "تقرير المصير" الكلاسيكي، كما صاغتها حقبة التحرر من الاستعمار، قد تآكلت في نظام دولي لم تعد فيه المعايير المطلقة تهيمن، بل معايير الفعاليّة وإدارة وتدبير النزاعات.
وهذا يدفع إلى التساؤل: إلى أي مدى يمكن لسردية أن تحافظ على قوتها الإقناعية عندما تفقد توافقها مع "روح العصر" الجيوسياسي، وتصبح أداتها الأساسية هي إعادة إنتاج الذات بدلاً من التأثير في الآخر؟
- ثالثًا: الحقل الإعلامي كساحة للصراع الرمزي: إعادة إنتاج النزاع وتعدد مراكز الإنتاج
كيف يتحول النزاع من دائرة الدبلوماسية الرسمية إلى فضاء إعلامي موازٍ، تُنتج فيه المعاني وتُعاد ترسيم حدود الخلاف؟
يشير التقرير إلى تعدد مراكب إنتاج الخطاب، من وسائل إعلام جزائريّة وإسبانية وموريتانية تدور في فلك "حق تقرير المصير"، إلى أصوات أوروبيّة ناقدة للمواقف الرسمية للاتحاد الأوروبي.
هذا المشهد لا يعكس انقسامًا فحسب، بل يكشف عن كون القضية قد أصبحت "حقل صراع رمزي"، تُستخدم فيه وسائل الإعلام كأدوات لتعزيز الروايات وخلق الوقائع الإدراكية.
فالنقاش حول منتجات الأقاليم الجنوبية، مثلاً، ليس نقاشًا اقتصاديًا بحتًا، بل هو معركة على "التطبيع الرمزي" مع واقع الحال المغربي. وهذا الصراع الإعلامي المتعدد المستويات يخلق جمهورًا متعددًا ومتشظيًا، ويجعل من "الحقيقة" حول القضية أمرًا نسبيًا وخاضعًا لزاوية الرؤية.
هل يعني هذا أن النزاع قد انتقل من ساحة القرار السياسي إلى ساحة المعركة الإدراكية، حيث يصبح الفوز متعلقًا بالقدرة على فرض رواية مهيمنة؟
- رابعًا: الاقتصاد والسياسة: ارتقاء البعد العملي على حساب الحلول الشكلية
ما الذي يعنيه تحول مصطلحات مثل "الشراكة" و"التنمية" و"التدبير الإنساني" إلى واجهة الخطاب الدولي حول الملف؟
هذا التحول اللغوي ليس بريئًا؛ إنه يعكس تحولاً جوهريًا في المدخلات.
فصعود البعد الاقتصادي (من خلال الإتفاقيات التجاريّة) والإنساني (من خلال آلية المراقبة الأوروبية) يُشير إلى أن المجتمع الدولي، عمليًا، يتعامل مع الأقاليم الجنوبية كجزء من الكيان المغربي، وينتقل من سؤال "السيادة" المجرد إلى سؤال "الحكامة" والادارة والتدبير. هذا الانزياح من السياسي-القانوني إلى السياسي-الاقتصادي يجعل من الحلول الشكليّة والمثاليّة (كالاستفتاء) تبدو بعيدة المنال وأقل واقعية.
وهو ما يثير إشكالية عميقة: هل نحن إزاء "تسوية" للنزاع بالمعنى الكلاسيكي، أم إزاء عملية "تطبيع" تدريجيّة وتراكميّة للواقع القائم، تُدار عبر تفاهمات عملية وتعيد تشكيل المشهد دون الحاجة إلى لحظة فصل دراماتيكية؟
* خلاصة: نحو تأويلي جديد للنزاع: بين تجميد الصراع وإدارة وتدبير التحول
لا يقدم تقرير ال MINURSO حلًا، لكنه يرسم ملامح لحظة تحول.
اللحظة التي يتراكم فيها الزخم العملي لصالح مقاربة قائمة على الواقعية والتدريجية، في حين تظل السردية المنافسة حبيسة معجمها التاريخي ووظيفتها الداخليّة.
النزاع لم يعد "قضية تصفية استعمار" بالمعنى التقليدي فحسب، بل تحول إلى عقدة جد معقدة في شبكة المصالح الإقليميّة والدوليّة، وإلى ساحة للصراع الرمزي عبر الإعلام.
السؤال المصيري الذي يتركنا معه هذا التحليل يتجاوز مسألة "من سينتصر" إلى سؤال أعمق: في ظل نظام دولي تزداد فيه هيمنة منطق المصالح والبراغماتية، ما هو مصير النزاعات المجمدة التي تقاوم هذا المنطق؟
وهل يمكن للحلول أن تخرج من رحم "الإدارة" والواقعيّة التراكميّة، أم أن هذا المسار يحمل في طياته إمكانية استمرار التوتر في شكل جديد، حيث تُستبدل حروب الماضي بصراعات الذاكرة والرواية والهُويّة في الحاضر؟
التقرير، في صمته الوثائقي، يصرخ بهذا التحول الصامت، ليصبح نصًا لا عن أحداث يوميّة، بل عن تقلبات عميقة في فلسفة النظام الدولي ذاته.






