مجتمع وحوداث

ليست الكارثة دائما فيما يحدث أحيانا الأسوأ يتجسد فيما ينقطع

ميمونة الحاج داهي (تدوينة)

إذا انقطعت الطرق، و أغلقت معابر الجبال، و انهارت القناطر و تعطل الهاتف، لا يكون الخطر فقط في الفيضان أو الزلزال أو الثلج المتراكم على الممرات، بل في اللحظة التي يفقد فيها الناس صلتهم بالقرار، ويصيرون وحدهم في مواجهة المجهول.

الكوارث، على اختلاف أشكالها، تتشابه في شيء واحد: أنها تقطع التواصل قبل أن تُحدث الدمار. فالماء يعزل القرى، والهزة الأرضية تُربك الشبكات، والثلوج تحاصر المداشر، والحروب حيثما كانت تُسقط أولا صوت الدولة قبل أن تُسقط المباني.

وفي كل مرة، يتكرر المشهد نفسه: مواطنون لا يسألون عن حجم الخسائر، بل عن الاتجاه الصحيح. أين نذهب؟ هل نغادر؟ هل الطريق آمنة؟ من يعرف أكثر من الخوف؟

في تلك اللحظات، تفقد التكنولوجيا ادعاءها بالقوة.

الإنترنت يختفي، المنصات تتجمد، والهواتف تتحول إلى شاشات بلا جدوى. ويبدأ فراغ أخطر من الدمار نفسه: فراغ المعلومة.

هناك، تتسلل الإشاعة، ويعلو اللغط، وتتحول المأساة إلى مادة خام على منصات التواصل الاجتماعي. صور بلا سياق، بث مباشر بلا مسؤولية، وألم إنساني يُستعمل وقودا لرفع نسب المشاهدة.

إذا غاب الصوت الرسمي القريب، يصبح الناس حطب هذا الاستغلال، وتتحول الكارثة إلى سوق مفتوحة للخوف.

في مثل هذه اللحظات، لا يحتاج المواطن إلى خطاب مطوّل، و لا يبحث عن تحليل ولا يريد صورة صادمة، يحتاج إلى جملة دقيقة تُقال في وقتها و عن توجيه واضح وصوتا يعرف الطريق..يتكلم بلغة الناس التي يفهمونها و تفهمهم..

هنا تتجلى قيمة الإعلام القريب، وعلى رأسه الإذاعة المحلية. وسيلة بسيطة، تعمل بالبطارية، لا تتأثر بانقطاع الشبكات، وتملك قدرة نادرة على الوصول حيث تعجز كل الوسائط الأخرى.

الإذاعة المحلية جزء من منظومة الطوارئ، لا تنقل الخبر فقط، بل تُعيد ترتيب الفوضى: تحذّر، توجه، تطمئن، وتربط الساكنة مباشرة بالسلطات المحلية وفرق الإنقاذ، بعيدا عن الارتجال والتضليل.

إنها لا تنقذ الأرواح من الخطر المادي فحسب، بل تنقذ الوعي من الانهيار. تحمي الناس من الذعر، ومن أن يتحولوا إلى مجرد مشاهدين لمأساتهم.

لهذا، لم تعد الحاجة إلى قنوات تواصل محلية فعّالة مسألة إعلامية، بل ركيزة من ركائز الأمن الإنساني. فالدولة التي لا تُسمِع صوتها في الطوارئ، تترك المجال لصوت الفوضى.

التجارب الدولية فهمت ذلك مبكرا، فربطت الإذاعات المحلية بأنظمة الإنذار المبكر، ووضعت بروتوكولات دقيقة تُفعَّل تلقائيا عند كل خطر، طبيعيا كان أو بشريا.

أما نحن، فما زلنا نُراكم الدروس دون أن نحولها إلى سياسة دائمة، رغم أن زمن الكوارث لم يعد استثناء، بل احتمالا متكررا.

الفيضانات، الزلازل، الثلوج، الحرائق، وحتى الحروب البعيدة التي تصل ارتداداتها إلينا… كلها تقول الشيء نفسه، إذا انقطع كل شيء،

تبقى المعلومة آخر خيط نجاة..و حتى في أوقات السلم و الأمان لابد من التواصل مع الناس دون وسطاء..حديث يومي على الأمواج يَشرح، يُفند، يُخبر، يُوجه، يُبلغ، صوت هنا و صوت هناك تبني جسرا ثابتا لعبور المعلومة..

ولهذا، فإن حماية الناس لا تبدأ فقط ببناء السدود، أو تدعيم الجبال، أو تعزيز العتاد،

بل ببناء صوت يصل في الوقت المناسب،

قبل أن يتحول الصمت إلى كارثة أخرى..