حينما يتوقف قطار الحياة، لا تتوقف الذكريات، بل تنطلق مسرعة في اتجاه القلب.
وحينما يرحل الكبار، لا يغيبون… بل يتحولون إلى صدى خالد، يسكن الوجدان ويعبر الأجيال.
برحيل الفنان المغربي الكبير عبد الهادي بلخياط، تطوي الساحة الفنية صفحة من أنقى صفحاتها، صفحة كتبها صوت استثنائي، وروح متفردة، وتجربة إنسانية وفنية نادرة.
هو ليس مجرد مطرب أطرب، ولا فنان أبدع فحسب، بل حالة فنية متكاملة، شكّلت وجدان المغاربة، ورافقت أفراحهم، وأوجاعهم، ولحظات صفائهم وتأملهم.
عبد الهادي بلخياط… ذلك الصوت الذي كان يخرج من عمق الروح، لا من الحنجرة فقط.
صوت حمل الصدق، والتأمل، والسمو، فلامس القلوب دون استئذان.
غنّى للحب، وللإنسان، وللقيم، فكان فنه رسالة قبل أن يكون أداء، ونبضا قبل أن يكون لحنا.
وعندما اشتدت عليه الحياة، انفجر نورا آخر… نور الروح. اختار طريق الصفاء، والزهد، والسكينة، فكان انتقاله من ضجيج الشهرة إلى عمق المعنى درسا في الشجاعة والوعي، ورسالة صامتة بأن العظمة الحقيقية لا تقاس بالأضواء، بل بالسلام الداخلي.
رحل الجسد، لكن الصوت باق.
باقٍ في “القمر الأحمر”، وفي “قطار الحياة”، وفي كل لحن حمل توقيع الصدق والإحساس العالي.
باق في ذاكرة وطن، وفي وجدان شعب عرف كيف يقدر فنه، وكيف يودعه اليوم بحزن يليق بمقامه.
إن رحيل عبد الهادي بلخياط ليس نهاية، بل بداية خلود.
خلود لفن نظيف، ولإنسان اختار أن يكون مختلفا، صادقا، وعميقا… في زمن عز فيه العمق.
رحم الله عبد الهادي بلخياط،
وجعل فنه صدقة جارية في ذاكرة المغاربة،وأسكنه فسيح جناته مع الصادقين.






