أضحى تدبيرالمخاطر والكوارث الطبيعية في ظل التغيرات المناخية التي يعيشها العالم في الوقت الحالي يتطلب من الدول ضرورة مأسسة مسألة إدارة المخاطر والكوارث، وهو ما يعكس انخراط المغرب مبكرا في هذا المسار الدولي وذلك عبر إصدار القانون رقم 30.15 المتعلق بسلامة السدود، وذلك في سياق أصبحت فيه مسألة إدارة سلامة السدود عملية مستمرة وليست مسألة ظرفية، بل تتطلب الالتزام بالتشريعات وتطبيق أعلى المعايير التقنية في كل مرحلة، من التصميم وحتى التخطيط للطوارئ.
ولعل التحدي الأكبر يكمن في التمييز بين الماء كمورد والماء كخطر ضمن السياسات العمومية، حيث تدار ندرة المياه بمنطق استباقي واستراتيجي، في حين يتم التعامل مع الفيضانات كطوارئ محلية تعالج بمنطق وقائي، بل أكثر من ذلك هو تحول السدود أحيانا إلى مصدر للخطر عند ضرورة التفريغ الفني لحماية المنشآت وإهمال تدابير الوقاية المجالية مثل تهيئة المجاري المائية وتحديث خرائط الخطر، مما قد يغرق المصب.
فمطالعة القانون المذكور يستشف منها سعي الدولة إلى تأمين حماية الأشخاص والممتلكات من المخاطر المرتبطة بالسدود ويشمل ذلك إخضاع السدود لتصنيف وتحيين دوري من قبل الإدارة المختصة لاسيما السدود التي يساوي أو يفوق ارتفاعها 5 أمتار عند البناء.
هذا القانون جعل من مهمة سلامة السدود تقع على عاتق مستغل السد وذلك عبر التتبع المستمر لاشتغاله للكشف عن أي عارض او اشتغال غير عادي يحتمل ان يسبب ضررا لهذه المنشاة ومعالجته بما يؤمن حماية الاشخاص والممتلكات من الاخطار المرتبطة بوجود السد. ويشمل الرصد والتتبع المستمر معاينة السد وفحصه وفحص اساساته وكذا القيام بقياسات وتجارب للتحقق من حالة المواد المكونة له. كما تتضمن ايضا اختبارات عن حسن اشتغال منشات تفريغ السد وسلامتها.
بناءً على القانون 30.15 ترتكز مراقبة سلامة السد على قيام السلطة المختصة بالتأكد من رصد سلامة السد، بحيث تعد سلامة السدود ضمن مراحل دورة حياة السد التي تمر عبر التصميم والبناء، والتشغيل والمراقبة، والتخطيط للطوارئ.
وتجدر الإشارة أن سلامة السدود كما تشير دفاتر صفقات الدراسات المتعلقة ببناء السدود على ضرورة تقيد الجهات المعنية بإجراء دراسات هندسية وجيوتقنية شاملة، تستهدف من ورائها تقييم المخاطر، قبل البناء، وتكليف مشرف مؤهل لضمان والسهر على مطابقة تشييد السدود للمواصفات التصميمية.
ولا يستقيم تشغيل السد إلإ على إعداد وتنفيذ برنامج رصد دوري وصارم يشمل الفحص البصري والقياسات الآلية (مستويات المياه، التسريبات، التشوهات)، والقيام بالمراقبة الضرورية لتحيين البيانات باستمرار ومقارنتها بالمعدلات التاريخية للكشف المبكر عن المشاكل.
أما المرحلة المهمة فهي تدبير الطوارئ والتخطيط كما ينص على ذلك القانون رقم 30.15 الصادر عام 2016 والذي نص على ضرورة إعداد خطط عمل طارئة مفصلة من طرف الجهات المعنية.
ورغم أن المغرب كما سبق الذكر يتوفر على إطار قانوني لتدبير سلامة السدود ومراقبتها، خاصة التصنيف الدوري للسدود حيث يصنف السدود حسب مستوى خطورتها، وأيضا التجربة المكتسبة من طرف الأجهزة المتدخلة (الجيش والوقاية المدنية والسلطات الترابية والأمنية) في تدبير عدد من الكوارث والأزمات، فإن هذا الإطار القانوني يحتاج إلى ضرورة مراجعته في ضوء التحديات التي طرحتها التساقطات المطرية بالمناطق الشمالية للمملكة، وأيضا تبني الممارسات العالمية الفضلى في مجال سلامة السدود وتدبير حقينتها، وذلك من خلال:
-التعجيل بإصدار النصوص التطبيقية للقا القانون رقم 30.15 التي لم تصدر رغم مرور حوالي 12 سنة من صدور القانون، خاصة أن هذا القانون ترك تنظيم عدد من الأمور المهمة للنصوص التنظيمية من قبيل تحديد مجال تدخل كل من الإدارة الوصية والوقاية المدنية والسلطات الأمنية والإدارة الترابية.
-تطوير ونشر خرائط الغمر للمناطق المعرضة في اتجاه مجرى النهر وتركيب أنظمة إنذار تعمل بالاستشعار عن بعد للتنبيه المسبق لخطر الفيضانات.
-ادماج التكنولوجيا والابتكار عبر توظيف الأجهزة الآلية والرقمنة لتعزيز دقة المراقبة والإنذار المبكر، واستخدام الذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالمخاطر بناءً على بيانات المراقبة والطقس وهو اتجاه عالمي تمت التوصية باعتماده في عدد من الملتقيات والمؤتمرات المتخصصة.
-تعميم المعلومة والتوعية المجتمعية: تعريف الساكنة المحلية والمحيطة بالمنطقة المعرضة للخطر وكيفية التصرف في حالات الطوارئ (مثل معرفة مسالك الإخلاء).
-إعداد خطة تفصيلية للطوارئ والإخلاء والتنسيق مع بين المتدخلين والسلطات المحلية، وهو ما يعد ضروريا في الإطار القانوني المغربي، وضرورة إجراء تمارين محاكاة للأجهزة العسكرية والمدنية تكون منتظمة لضمان فعالية خطط الطوارئ.
وعليه يتضح من خلال تدبير عدد من الكوارث الطبيعية أو الفيضانات هو أولوية حماية المحاور الاقتصادية والديموغرافية الكبرى، بل إدارة الفيضانات في المناطق الأخرى بأسلوب "الإجلاء"، وأيضا استثمارات الوقائية غير متكافئة بين المناطق المركزية والأخرى الأقل كثافة، كما ظهر في حالة فيضانات القصر الكبير وهو ما يعمق الفجوة المجالية.
يتضح في الأخير أن تفادي مخاطر السدود، ليس مجرد فقط وجود إطار قانوني يحدد الاحكام التنظيمية لسلامة المنشئات المائية، بل الامر يستدعي توفر المغرب على استراتيجية أو خطة أو نظام متكامل يغطي دورة حياة السدود(التصميم والمراقبة المستمرة والصيانة والتخطيط للطوارئ) أو بالأحرى سياسة عمومية تسائل دول الدولة والسلطات العمومية وتحلل فعالية هذا التدخل لضمان السلامة الفعلية للسكان المعرضين للخطر وأنظمة التعويض عن الخسائر والتقليص من الاضرار.
بل ما يجعل منها سياسة عمومية فهو التعليمات الملكية للجيش بالتدخل الفوري لتقديم ودعم الجهود الاغاثية وتوزيع المساعدات على المتضررين وتعويضهم، والتدخلات الميدانية لعدد من رجال السلطة في مختلف ربوع المملكة لمراقبة حقينة السدود وتصريف الفائض.






