يشكل الموقف الجديد الذي أعلن عنه باسم الاتحاد الأوروبي بخصوص الصحراء المغربية، خلال الدورة الخامسة عشرة لمجلس الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي المنعقدة ببروكسيل في 29 يناير 2026، محطة مفصلية في المسار السياسي والدبلوماسي لهذا النزاع الإقليمي المفتعل، ودليلا إضافيا على أن القضية الوطنية دخلت مرحلة التحولات الحاسمة في اتجاه الحل النهائي.
فإقرار الاتحاد الأوروبي بأن حكما ذاتيا حقيقيا يشكل أحد أكثر الحلول قابلية للتطبيق، لا يمكن اعتباره مجرد تعديل لغوي أو دبلوماسي في الخطاب، بل يعكس انتقالا واعيا نحو منطق الواقعية السياسية، الذي بات يطبع مقاربة الفاعلين الدوليين الكبار لقضية الصحراء المغربية، في ظل التحولات العميقة التي يعرفها النظام الدولي.
هذا التحول ينسجم بوضوح مع القرار رقم 2797 (31-10-2025) الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والذي كرس مرة أخرى أولوية الحل السياسي الواقعي والمتوافق عليه، في إطار المسار الأممي وتحت السيادة المغربية، غير أن الأهم في هذا السياق هو أن الموقف الأوروبي يعكس تراكما نوعيا في مواقف القوى الدولية المؤثرة، ويؤشر على تضييق متزايد لهوامش الطرح الانفصالي، الذي بات معزولًا عن منطق التحولات الدولية.
وفي العمق، فإن هذا التطور لا ينفصل عن إعادة تشكيل الخريطة الجيوستراتيجية العالمية، حيث تتراجع منطق الاصطفافات الإيديولوجية الجامدة، لصالح اعتبارات الاستقرار، والأمن الإقليمي، وسلاسة الشراكات الاقتصادية. وفي هذا السياق، برز المغرب كفاعل محوري موثوق، يجمع بين الاستقرار السياسي، والقدرة على الوساطة، والانخراط الفعلي في قضايا الأمن الإقليمي، والهجرة، والطاقة، والتنمية الإفريقية.
لقد أضحت الصحراء المغربية، في هذا الإطار، جزء من معادلة الاستقرار الإقليمي، لا مجرد ملف نزاع ترابي إقليمي معزول. فالمشاريع التنموية الكبرى بالأقاليم الجنوبية، والربط الاقتصادي بإفريقيا، وتكامل المبادرة الأطلسية، جعلت من المقترح المغربي للحكم الذاتي إطارا عمليا قابلا للتنزيل، وليس مجرد تصور نظري، وهو ما تلتقطه اليوم العواصم المؤثرة، وفي مقدمتها الاتحاد الأوروبي.
كما أن هذا الموقف يتوج أداء دبلوماسيا مغربيا متزنا واستباقيا، يقوده جلالة الملك محمد السادس، قائما على تنويع الشراكات، وتثبيت الثوابت، وتفادي منطق ردود الفعل الظرفية. وهو أداء نجح في نقل ملف الصحراء من خانة “نزاع مزمن” إلى خانة قضية في طريق التسوية النهائية، وفق مرجعية أممية وواقعية سياسية متوافق عليها دوليًا.
غير أن اقتراب أفق الحل، وما يرافقه من مكاسب دبلوماسية متراكمة، يفرض في المقابل مزيدا من التعبئة الوطنية الواعية والمسؤولة. فمرحلة الترصيد والحسم تتطلب جبهة داخلية متماسكة، قادرة على مواكبة التحولات الدولية بخطاب موحد، ويقظة سياسية، وانخراط مؤسساتي ومجتمعي دائم، يحصن المكتسبات ويمنع أي محاولة للالتفاف أو التشويش.
إن الدفاع عن مغربية الصحراء لم يعد معركة دبلوماسية فقط، بل أضحى مشروعا وطنيا جامعا، يستدعي تعبئة الأحزاب، والمؤسسات، والنخب، والمجتمع المدني، حول سردية وطنية متجددة، تجمع بين الشرعية التاريخية، والواقعية السياسية، والتنمية الميدانية، والانخراط الإيجابي في التحولات الدولية.
وعليه، فإن الموقف الأوروبي الجديد لا يشكل فقط دعما سياسيا مهما، بل يمثل إشارة قوية على اقتراب لحظة الحسم، شرط مواصلة العمل الدبلوماسي بنفس النفس الاستراتيجي، وتعزيز الجبهة الداخلية، وترسيخ الوعي بأن مغربية الصحراء لم تعد محل نقاش دولي، بل حقيقة سياسية وقانونية وتنموية في طور الاكتمال.






