لشكر لا يتحدث كثيرا هذه الأيام خارج حساب اللحظة السياسية. لذلك، حين يعلن أن الاتحاد الاشتراكي يتوفر على “كل الشروط السياسية والتنظيمية الحقيقية” لقيادة الحكومة المقبلة، فالأمر لا يتعلق فقط برفع منسوب الحماس داخل حزب عرف تراجعا انتخابيا، بل بإطلاق إشارة سياسية متعددة الاتجاهات.
في الظاهر، يبدو التصريح طموحا انتخابيا عاديا. لكن في العمق، هو محاولة لإعادة تموضع حزب ظل لسنوات يتحرك في هامش المشهد، بين معارضة رمزية ومشاركة محدودة التأثير. حين يتحدث لشكر عن قيادة البلاد، فهو يقفز فوق ميزان القوى الحالي، ويراهن على متغيرات محتملة قد تعيد خلط الأوراق: اهتزاز صورة الأغلبية، تحولات في التحالفات، أو سياق سياسي جديد يفرض بدائل مختلفة.
خطاب “مخاطبة المواطنين بلغة الحقيقة” والقطع مع “الشعارات والمزايدات” ليس بريئا بدوره. إنه نقد مبطن لخطاب الأغلبية الذي يُتهم بالإفراط في التسويق السياسي. لشكر يحاول أن يحتكر لنفسه موقع “الواقعية السياسية”، مقدما الاتحاد كقوة مسؤولة، لا شعبوية ولا عدمية. هو لا يطرح نفسه معارضا غاضبا، بل بديلا عقلانيا جاهزا.
في موضوع القضية الوطنية، كان الاصطفاف واضحا وحاسما. حديثه عن الخروج من “عنق الزجاجة” والدعم الأمريكي والأوروبي لمقترح الحكم الذاتي، وتثمينه للاستثمارات الكبرى في الأقاليم الجنوبية، يندرج ضمن خطاب تطميني محسوب. الرسالة هنا ليست موجهة للناخبين فقط، بل أيضا لمراكز القرار: الاتحاد الاشتراكي جزء من الإجماع الوطني، ولن يكون عنصر إرباك في القضايا السيادية.
حتى إشادته بتدبير الدولة لتداعيات الفيضانات، والتنويه بدور القوات المسلحة والإدارة الترابية، تعكس وعيا بأن زمن المعارضة الراديكالية قد انتهى. لشكر يقدم حزبه كفاعل “مستأنس” داخل النسق، قادر على النقد دون الانزلاق إلى خطاب الصدام.
وعندما ينتقد الخلط بين المسؤولية السياسية والاختصاصات التقنية، فهو يلامس موضوعا حساسا يتعلق بتراجع دور المنتخبين أمام صعود المقاربة التكنوقراطية. غير أن صياغته بقيت في حدود الدعوة إلى التوازن، لا المواجهة. وكأنه يقول إن استرجاع الاعتبار للسياسة يمكن أن يتم من داخل النظام لا ضده.
اللافت أيضا هو دعوته إلى عدم التعاطي مع الحاضر بعقلية الماضي. هذه العبارة تبدو عامة، لكنها في جانب منها مراجعة غير معلنة لخطاب الاتحاد نفسه، الذي ظل طويلا أسير ذاكرة التناوب وسردية الصراع التاريخي. لشكر يحاول طي صفحة النوستالجيا، والانتقال بالحزب من هوية احتجاجية إلى هوية براغماتية تبحث عن مكان داخل معادلة الحكم.
غير أن السؤال الجوهري يبقى معلقا: هل يكفي تغيير النبرة والخطاب لاستعادة موقع القيادة؟ الاتحاد الاشتراكي لا يواجه فقط أزمة تموقع، بل تحدي تجديد النخب واستعادة الامتداد الشعبي. الطموح إلى قيادة الحكومة يفترض أكثر من إعلان استعداد؛ يفترض دينامية مجتمعية قادرة على تحويل الخطاب إلى قوة انتخابية.
مع ذلك، لا يمكن التقليل من أهمية الرسائل التي حملها التصريح. لشكر لا يعلن مجرد رغبة في المنافسة، بل يبعث بإشارة مفادها أن الاتحاد الاشتراكي يريد العودة إلى مربع التأثير، لا عبر استدعاء الماضي ولا عبر مناكفة النسق، بل عبر التكيف الذكي مع تحولات المرحلة. بين طموح معلن وحسابات دقيقة، يبدو أن الرجل يختبر إمكانية إعادة الحزب إلى قلب المعادلة… ولو من باب الواقعية السياسية الصلبة لا من باب الحنين.






