مجتمع وحوداث

المغرب يُحسن تدبير الأزمات لكنه يسيء استباق المخاطر

رشيد بوفوس(مهندس معماري مخطط حضري)

في كل فيضان أو زلزال، يتكرر المشهد ذاته، تختلف الصور وتتغير الأماكن، لكن السيناريو يبقى واحدًا: كارثة تفاجئ الجميع، تعاطف واسع، تعبئة رسمية، وصول فرق الإنقاذ، وتجسّد قوي للتضامن الوطني. وما إن تنقضي مرحلة الطوارئ، حتى يعود الصمت… إلى أن تقع الكارثة الموالية.

يجب قول الحقيقة دون مواربة: المغرب يُحسن تدبير الأزمات، لكنه يسيء استباق المخاطر.


فالفيضانات المتكررة التي تشهدها عدة مناطق، من الشمال إلى الغرب، ومن حوض سبو إلى سوس، ليست أحداثًا مفاجئة أو غير متوقعة. هي ظواهر موثقة ومعلومة منذ سنوات، ومناطقها مصنفة وخرائطها متوفرة، شأنها شأن الصدوع الزلزالية. ومع ذلك، تستمر أنماط التعمير في تجاهل هذه الحقائق الطبيعية، وكأن ذاكرة المجال لا قيمة لها.


الإشكال، إذن، لا يكمن في مستوى تدخل السلطات أثناء الكارثة. ومن الإنصاف الإقرار بأن مختلف المصالح الأمنية، والوقاية المدنية، والسلطات المحلية، والخدمات التقنية، والمتطوعين، يبرهنون في الغالب عن مهنية عالية وتفانٍ واضح. الخلل الحقيقي يوجد قبل ذلك بكثير، في مرحلة ما قبل الكارثة.


فهل يتعلق الأمر بنقص في الكفاءات؟

أم بضعف في الإمكانيات المالية؟

أم أن المشكلة أعمق، وترتبط بغياب ثقافة الاستباق والتفكير الاستشرافي؟


المغرب لا يعاني خصاصًا في المهندسين، أو المعماريين، أو المخططين الحضريين، أو المختصين في المياه والجيولوجيا. كما أنه قادر على تعبئة الموارد المالية عند وقوع الكوارث، سواء للتعويض أو لإعادة الإعمار على عجل. ما ينقص، في الواقع، هو القدرة الجماعية على استخلاص دروس دائمة من الأحداث الماضية، وتحويل كل كارثة إلى معرفة عملية تُترجم إلى سياسات وقائية.


نحن بارعون في ردّ الفعل، لكننا نُخفق في الوقاية.

كل زلزال كان ينبغي أن يعيد النظر في معايير البناء بالمناطق المعرضة للخطر.

وكل فيضان كان يجب أن يفرض مراجعة جذرية لخيارات التعمير، ومخططات التهيئة، وعلاقتنا بالأودية والسهول الفيضية والمناطق المنخفضة.

كل مأساة كان يفترض أن تفضي إلى قرارات هيكلية، لا إلى مجرد بيانات تعاطف.


التاريخ حاضر ويخاطبنا. فالأقدمون كانوا يدركون أين يُبنى وأين لا يُبنى. المدن المغربية التقليدية كانت تتجنب مجاري الأودية الكبرى، وتحترم التضاريس، وتُدرج الإكراهات الطبيعية ضمن نسيجها العمراني. غير أن هذا الرصيد من المعرفة تآكل مع زحف تعمير سريع، أحيانًا عشوائي، وغالبًا منفصل عن الواقع الجغرافي.


وهناك سؤال جوهري نتفادى طرحه بوضوح: لماذا لا يتوفر المغرب على مخزون استراتيجي من السكن مخصص للمتضررين من الكوارث؟

هذا الإجراء يُعد من بديهيات السياسات العمومية الحديثة في مجال تدبير المخاطر: مساكن مجهزة مسبقًا، موزعة ترابيًا، وقابلة للتعبئة الفورية، بما يضمن إعادة إيواء المتضررين في ظروف لائقة، دون ارتجال أو مخيمات مؤقتة تمتد لسنوات.


الاستمرار في إعادة البناء بعد وقوع الكارثة، تحت ضغط الاستعجال وبتكلفة مرتفعة، دون تثمين الخبرة المتراكمة، يشكل مفارقة اقتصادية واجتماعية. فالكلفة الحقيقية دائمًا أقل في الاستباق منها في الإصلاح، والوقاية أقل إيلامًا من معالجة الجراح.


الدرس الحقيقي الذي نرفض استيعابه هو أن الكارثة الطبيعية ليست مجرد حدث مناخي أو جيولوجي، بل مرآة تعكس اختياراتنا السياسية والعمرانية والمؤسساتية.

وطالما اعتُبر الاستشراف ترفًا، والتخطيط بعيد المدى تمرينًا نظريًا، سنظل نلاحق الكوارث بدل أن نسبقها. وطالما لم يتحول كل حدث مأساوي إلى إصلاح بنيوي، سنبقى أسرى دورة يتغلب فيها الانفعال على التخطيط.


المغرب يستحق أفضل من هذا التكرار العقيم. يستحق ذاكرة للمخاطر، وذكاءً في تدبير المجال، وسياسة حقيقية قائمة على الاستباق.

الكوارث الطبيعية لا يمكن منعها، لكن تقليص آثارها ممكن إلى حد بعيد…

شريطة أن نقبل، أخيرًا، بحفظ هذا الدرس عن ظهر قلب.