سياسة واقتصاد

حين تتحول الحدود إلى ورقة ضغط: لماذا يغامر النظام الجزائري شرق المغرب؟

عبد الصمد بنشريف (صحفي)

ليست التحركات العسكرية الجزائرية الأخيرة قرب واحة “إيش” بإقليم فكيك حدثاً معزولاً يمكن تصنيفه ضمن المناورات الروتينية للجيوش أو إعادة الانتشار التكتيكي المعتاد. ما يجري على الحدود الشرقية للمغرب يتجاوز البعد التقني العسكري إلى مستوى الرسائل السياسية الثقيلة، ويعكس توجهاً تصعيدياً واضحاً من طرف النظام الجزائري، يضع المنطقة على حافة توتر دائم، ويحوّل الجغرافيا إلى أداة ضغط ومساومة.

فالحدود الشرقية للمغرب ليست مجرد خط فاصل بين دولتين. إنها فضاء تاريخي شديد الحساسية، تشكل في سياق استعماري معقد، وتراكمت حوله نزاعات ووقائع وملفات مؤجلة منذ عقود. وهي، بالنسبة للمغرب، جزء من عقيدة دفاعية وسيادية دقيقة، ترتبط بالأمن القومي وبالتوازنات الإقليمية، وبذاكرة سياسية لا تنفصل عن أسئلة التراب والشرعية التاريخية.

لهذا السبب تحديداً، تبدو أي حركة عسكرية في تلك المنطقة محمّلة بدلالات تتجاوز ظاهرها. وعندما يدفع النظام الجزائري بقواته نحو هذا المجال الحدودي الملتهب، فهو يدرك جيداً أنه لا يتحرك فوق أرض محايدة، بل فوق مساحة مشحونة بالرمزية والسيادة والتاريخ.

السؤال إذن ليس: ماذا تفعل القوات الجزائرية هناك؟السؤال الأدق: لماذا اختارت الجزائر هذا التوقيت وهذه الجغرافيا بالذات؟

الإجابة الأقرب إلى المنطق السياسي تكمن داخل الجزائر أكثر مما تكمن في المغرب.فالأنظمة التي تعاني اختناقات داخلية عميقة تميل، في لحظات التراجع، إلى تصدير أزماتها نحو الخارج. ومع تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، واستمرار الانسداد السياسي، وتآكل الثقة بين السلطة والمجتمع، يحتاج النظام الجزائري إلى “عدو خارجي” دائم يعيد من خلاله تعبئة الرأي العام ويبرر استمرار القبضة الأمنية والعسكرية على الحياة السياسية.

وفي هذا السياق، يظل المغرب الهدف الأسهل والأكثر جاهزية في الخطاب الرسمي الجزائري.

غير أن التصعيد الحالي لا يبدو مجرد دعاية داخلية. فثمة بعد استراتيجي أعمق. إذ يمكن قراءة هذه التحركات باعتبارها محاولة استباقية لفرض أمر واقع ميداني على الحدود الشرقية، وقطع الطريق أمام أي نقاش مستقبلي حول الحقوق التاريخية للمغرب في مناطقه الشرقية التي اقتطعت في سياقات استعمارية معقدة. بكلمات أخرى، يسعى النظام الجزائري إلى تثبيت الحدود الموروثة عن الاستعمار كخط أحمر نهائي عبر منطق القوة، لا عبر منطق التاريخ أو القانون.

وهنا تبرز المفارقة: نظام يرفع خطاب “الشرعية الثورية” ومقاومة الاستعمار، لكنه يتمسك في الوقت نفسه بخرائط رسمها الاستعمار نفسه، ويتعامل معها كحدود مقدسة لا تقبل المراجعة أو النقاش. إنه تناقض يكشف هشاشة الأساس السياسي لهذا الموقف أكثر مما يعكس ثقة حقيقية.