سياسة واقتصاد

كذبة من أكاذيب البلد الجار

احمد الدافري (إعلامي)

في مشهد يذكرنا بمعجزات تحلية المياه التي جففت البحر في الخطابات الرسمية، أطلت علينا الماكنة الدعائية للبلد الجار بخبر تاريخي جديد، يتعلق بتدشين خط سكة حديدية يربط بين تندوف وبشار على مسافة تقارب الألف كيلومتر، وفي زمن إنجاز قياسي لا يتحقق إلا في أفلام الخيال العلمي الصيني.


ولكن قبل أن يصفق المهللون ويتناقزون فرحا في المنصات الرقمية، دعونا نخضع هذا الخبر لمشرط المنطق والواقع، كي نعرف لماذا ينضم هذا الإنجاز إلى قائمة الأكاذيب الفلكية التي باتت ماركة مسجلة باسم قصر المرادية.


إن الحديث عن إنجاز 950 كيلومترا من السكك الحديدية في بيئة صحراوية قاسية هو ضرب من الهذيان التقني. فبناء السكك في هذه المناطق يتطلب دراسات جيوتقنية معقدة، وتأمينا للمسارات ضد زحف الرمال، وبنية تحتية لوجستية ضخمة. عالميا تستغرق مشاريع كهذه عقودا. أما في منطق البلد الجار فالبناء يتم بسرعة البرق فقط على شاشات التلفزيون الرسمي.


إن من اعتاد أن يقدم للعالم رقما يوميا لتحلية المياه يعادل ما تستهلكه البشرية جمعاء، لن يجد حرجا في اختراع خط سكة حديد وهمي.


إنها سياحة الأرقام التي تهدف إلى تنويم الرأي العام الداخلي، وصرف نظره عن طوابير الحليب والسميد من خلال بيع الأوهام حول القطب المنجمي، وحول سيادة اقتصادية لا توجد إلا في مخيلة من يكتبون خطابات الرئيس.


والسؤال الجوهري الذي يهرب منه مطبلو البلد الجار هو أين هي القطارات؟ أين هي محطات الشحن والتفريغ؟ أين هي الصيانة في صحراء تبتلع الحديد والصلب؟ لو وجدت هذه المنشآت فعلا، ألم يكن التلفزيون الرسمي سينجز عنها روبورتاجات بمئات الساعات؟ هل كان سيفوت فرصة إبراز قوة النظام الحاكم، وهو يدعي القيام بفتوحات عظيمة في مجال النقل السكككي؟ إن هذا النظام الذي يخصص تقارير طويلة ومملة لتدشين متجر لتوزيع الحليب، أو يملأ الدنيا ضجيجا عند افتتاح محل لبيع أرجل الدجاج، لا يمكن أن يصمت أمام تفاصيل مشروع بألف كيلومتر. إن غياب صور الورشات الكبرى وغياب مشاهد العمال وآليات الصيانة يثبت أن المشروع مجرد حبر على ورق.


إنها بروباندا تفتقد لأبسط المقومات الواقعية، وتكشف أن الفتوحات السكككية المزعومة ليست سوى سراب صحراوي يراد به تلميع صورة نظام يتخبط في أزمات التموين الأساسية. الحقيقة أن نظام الجوار اعتاد على وضع حجر الأساس لسنوات طويلة. يدشن أشغال وهمية لخطوط لا تتحرك فوقها سوى الرياح. تماما كما هو حال مشاريع غارا جبيلات التي تسمع ضجيجها ولا نرى طحينا منذ السبعينات.


إن ما يثير الريبة أكثر هو الغياب التام لأية فيديوهات حقيقية يتم التقاطها للقطارات وهي تشق طريقها فعليا في قلب الصحراء الشاسعة. فمنصات التواصل والإعلام تخلو من أية لقطات ميدانية ترصد حركة هذا القطار العملاق في مساره الطويل. بل كل ما تملكه الدعاية الرسمية هو ذلك الفيديو المتكرر الذي يظهر فيه الرئيس تبون وهو يقف في محطة سكة حديدية بمدينة بشار، وهو يحتفل بقدوم ما قيل إنه أول قطار من تندوف. والمثير للسخرية في ذلك الفيديو أن القطار ظهر بهيكل نظيف ولامع وكأنما خرج للتو من صالون للعرض. لا تظهر عليه أية حبة من غبار الصحراء أو آثار الرمال والأتربة، علما أنه من المفترض أن تكسوه الأتربة بعد رحلة تقطع مئات الكيلومترات في قلب العواصف الرملية. هذا يؤكد أن المشهد لم يكن سوى مسرحية تم إعدادها في محيط المحطة، الهدف منها هو إيهام الناس بأن المعجزة قد تحققت فعلا.


وإذا أردنا الدليل القاطع من لغة تكنولوجيا العصر، فإن تطبيقات الخرائط العالمية وفي مقدمتها غوغل مابز تفضح هذا الزيف بوضوح.


 فعند محاولة البحث عن مسار للسفر عبر القطار بين تندوف وبشار، تصدمنا الحقيقة الرقمية بأنه لا وجود لأي خط سككي يربط بين المدينتين.


 إن الأقمار الصناعية التي ترصد دبيب النمل على الأرض، لا ترى هذا الخط الذي يزعمون طوله ألف كيلومتر. 


إن غياب المسار السككي من الأنظمة الملاحية الدولية يؤكد أن المشروع مجرد وهم بصري لا يعترف به العلم الرقمي.


إن توقيت الإعلان عن هذا الخط ليس بريئا، فهو محاولة يائسة للإيحاء بأن الدولة تسيطر على مفاصل الجنوب الغربي وتنميه. في حين أن الواقع الميداني يتحدث عن تهميش مستمر، وعن مشاريع متعثرة تلتهمها ميزانيات ضخمة تذهب لجيوب العصابة، ويتم ذلك تحت مسمى الصفقات المستعجلة مع الشريك الصيني.


إن سكة تندوف بشار هي نسخة مكررة من الناتج المحلي الذي سيقفز لأربعمائة مليار دولار. وهي نسخة من الاقتصاد الثالث عالميا. 


إنها كذبة أخرى تطبخ ببهارات السيادة الزائفة تقدم للمواطن المغلوب على أمره لسد رمقه بالوهم بدلا من التنمية الحقيقية. في بلد يبنى فيه الوهم بالبوق، تظل السكك الحقيقية هي تلك التي تقود الاقتصاد نحو الهاوية، وليس نحو تندوف.

وهذا ما كان.