يحاول الرأي العام فهم أسباب تراجع وزير العدل عن نبرته التوافقية، وانتقال خطابه إلى لهجة حادة ومشدودة. والراجح أن قراءة غير سطحية في الزمن التشريعي قد تكشف عن معطيات دالة، أهمها أن هذا التحول وقع بين لحظتين مفصليتين:
لحظة آخر لقاء مع المحامين بنادي بوسكورة بالدار البيضاء، ولحظة صدور قرار المحكمة الدستورية القاضي بعدم دستورية مقتضيات وازنة من قانون المسطرة المدنية، وهي المقتضيات نفسها التي كان مجلس المستشارين قد صادق على تعديلات جوهرية بشأنها.
ويبرز في هذا السياق، على وجه الخصوص، ما تعلق بالمادة 17 (الفقرة الأولى)، التي كانت تخول للوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، بناءً على إحالة من وزير العدل، طلب التصريح ببطلان مقررات قضائية حائزة لقوة الشيء المقضي به. وقد اعتبرت المحكمة الدستورية هذا المقتضى مساسًا مباشرًا باستقلال السلطة القضائية وضربًا لمبدأ الأمن القانوني.
وبناءً على ملاحظاتها، تم تعديل الصياغة بحصر حالات طلب البطلان في وضعيات دقيقة ومحددة، مع حذف أي دور إحالي لوزير العدل، وإسناد الاختصاص للنيابة العامة المختصة بأمر كتابي من الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، داخل أجل لا يتجاوز خمس سنوات.
ولم تقف الملاحظات الدستورية عند هذا الحد، بل شملت كذلك المادة 402، التي كانت تمنح وزير العدل صلاحية الأمر بإحالة المقررات القضائية بدعوى تجاوز القضاة لسلطاتهم، وهو ما رأت فيه المحكمة خرقًا صريحًا لمبدأ فصل السلط وتدخلاً غير مشروع للسلطة التنفيذية في الشأن القضائي.
كما طال التعديل المادة 374 المتعلقة بعتبة الطعن بالاستئناف والنقض، حيث اشترط النص عدم قبول الطعن بالنقض في القضايا التي تقل قيمتها عن ثلاثين ألف درهم، وهو ما اعتبرته المحكمة الدستورية مساسًا بحق التقاضي على درجتين وإخلالًا بمبدأ المساواة أمام القضاء.
وفي السياق ذاته، رفضت المحكمة المادة 62 (الفقرة الثانية) التي أقرت غرامة مالية على الدعاوى الكيدية تتراوح بين 2000 و10.000 درهم، معتبرة أن هذه الغرامة تشكل عائقًا ماديًا قد يرهب المتقاضين ويحد من حقهم الدستوري في الولوج إلى القضاء.
انطلاقًا من هذه الوقائع الدستورية المتراكمة، يمكن افتراض أن جزءًا من تصور السلطة التنفيذية لدورها داخل المنظومة القضائية قد تبخر. ومن ثَمَّ، لا يبدو مستبعدًا الاستنتاج – ولو ضمنيًا – بوجود سعي إلى تسوية سياسية/مؤسساتية تروم ردّ الاعتبار لوزارة فقدت تدريجيًا أدوات الضبط والتحكم في الشأن القضائي، وعلى الخصوص فقدان ما يمكن تسميته بـ «الحق في النظر» (le droit de regard) على إدارة الدعوى العمومية ومسارات القرار القضائي.
وفي هذا الإطار، يمكن قراءة ما تم تداوله حول موضوع تغيير المفوض الملكي بمؤسسة النيابة العامة داخل القضاء الإداري كأحد معالم هذه التسوية المحتملة، وهو موضوع يستحق معالجة خاصة ومفصلة في مقال لاحق، فلنرفع إذن مستوى النقاش، ولنجود التحليل بربط النتائج بالأسباب ؛ ولننطلق من افتراض وجود خلاف معرفي قانوني خفي بين السلطة التنفيذية والمحكمة الدستورية حول حدود التدخل في الشأن القضائي، و ما يجري يشير إلى أن دور النيابة العامة أصبح محورياً في هذه المعادلة، حيث قد تكون هدفاً لإعادة التوازن التنفيذي المفقود، أو ضمانة لتعزيز استقلال القضاء – حسب التوجه الذي ستأخذه التعديلات أوالمراجعات ؛ ولذلك فالمناقشة المسؤولة تتطلب ربط التحليل الدستوري بالسياق السياسي، ومراقبة أي تحول في هيكلة النيابة العامة قد يؤثر على طبيعة دورها المنشود.






