فن وإعلام

موقع الإعلام في مونديال 2030 بعد منتدى الأعمال

جمال المحافظ (رئيس المركز المغاربي للدراسات والأبحاث في الاعلام والاتصال)

شكل منتدى الأعمال المغربي الإسباني البرتغالي حول كأس العالم 2030 الذي نظمه الاتحاد العام لمقاولات المغرب بالتعاون مع نظيريه الإسباني والبرتغالي في 10 فبراير الجاري بمركب محمد السادس لكرة القدم بمدينة سلا، مبادرة إيجابية، في مسار التحضير للمونديال الذي لم يتبق على استضافته من طرف البلدان الثلاثة سوى خمس سنوات فقط.

وأجمع رؤساء هيئات رجال الأعمال بالبلدان الثلاثة، خلال هذا المنتدى على أن مونديال 2030 من شأنه أن يعمل على " إعادة رسم خارطة " المصالح الاقتصادية في حوض المتوسط، عبر تحويل التنافس الرياضي التقليدي إلى "تحالف تجاري عابر للقارات" يضع كلا من الرباط ومدريد ولشبونة في قلب مركز ثقل اقتصادي جديد. بيد المطلوب كذلك على المستوى الإعلامي العمل مستقبلا على ادراج ملف التعاون وتبادل التجارب بين البلدان الثلاثة في مجال الصحافة والاعلام باعتبارهما من الأدوات الرئيسة ليس فقط في تسويق مباريات المونديال، ولكن كذلك اطلاع الرأي العام، على كل ما يحيط بهذه التظاهرة الكروية العالمية، فضلا على تزويده بالمعلومات والمعطيات المختلفة.

صحافة المونديال

وتظل في هذا الصدد الحاجة ماسة إلى سياسة رياضية متعددة الأبعاد التي قد تساهم في تحويل حدث المونديال بعد "بروفة" كأس افريقيا للأمم التي احتضنها المغرب أخيرا والتي اعتبرت أفضل نسخة منذ أول دورة سنة 1957بالسودان إلى فرصة حقيقة، لتدشين مرحلة جديدة في حياة ومسار الاعلام الوطني، وخاصة منه الرياضي، وذلك بهدف جعله في مستوى التحديات. لكن إذا كانت الصحافة الرياضية، تعرف على المستوى العالمي، تطورا متناميا، يفوق في كثير من الأحيان التخصصات الأخرى، من صحافة سياسية واقتصادية وثقافية، فإنها ظلت مع ذلك محليا في وضعية دون مستوى التطلعات والرهانات.

ويبقى فتح ورش التكوين واستكمال التكوين ، يكتسى أهمية بالغة، من أجل ربح رهان المواكبة الإعلامية للمونديال الذي يتطلب تجويد الممارسة الصحفية، في أفق تنظيم هذه التظاهرة الرياضية العالمية التي تجمع لأول مرة بين قارتين، هي افريقيا وأوربا، مع الأخذ بعين الاعتبار البيئة الرقمية، وتحولاتها وتأثير التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي على مهنة الصحافة والإعلام، وارتباطا كذلك مع ما يشهده المجتمع المغربي من تحولات عميقة. 

غير أن هذه المتغيرات المتسارعة لا يمكنها بأي شكل من الأشكال أن تلغي طرح جملة من التساؤلات حول واقع الصحافة والإعلام على المستويين الذاتي والموضوعي في مقدمتها سؤال المهنية والمصداقية، مع ما يلاحظ، في زمن اللايقين من تنامي التضليل والتفاهة والشعبوية، وما يلاحظ من انزياح واضح لبعض وسائل الإعلام عن ضوابط وقواعد أخلاقية المهنة وصناعة المحتوى، وهو ما أفقد ثقة الرأي العام في وسائل اعلامه.

وتشهد وسائل الإعلام، حاليا تحولات عميقة في عصر الثورة الرقمية الذي أصبح من خلاله للتفاعل الجماهيري على منصات وسائط التواصل الاجتماعي أثرا كبيرا على تشكيل الرأي العام، وهذا ما فرض على الإعلاميين والطواقم التقنية توفير تغطية ومواكبة الأحداث الرياضية بشكل يرضى الجمهور ويلبى في نفس الوقت حاجيات المعلنين والمستشهرين، بأجناس مهنية معينة، منها التعليق الرياضي والتحليل الفني اللذين أضحيا لهما دور هام في تشكيل وعي الجماهير وإشاعة الثقافة والتربية الرياضية.

كونية الرياضة

وباعتبار ما أصبح يوفره الاستثمار في التظاهرات الرياضية، من عائدات مالية وفيرة، حول الاعلام الرياضي، تصبح واحد من أكثر التخصصات الصحافية تطورا ومتابعة، لما أضحت تستأثر به الأخبار والمعلومات حول الرياضة والرياضيين، من قبل الرأي العام في مختلف الأصقاع. كما تستمد الصحافة الرياضية إشعاعها وقوة انتشارها وتأثيرها الواسع على المشهد العالمي، من كونية الأحداث الرياضية التي تنظم بشكل متواتر، محققة بذلك متابعة قياسية من قبل الجماهير.  

ليس الهدف هنا الحديث عن وسائل الاعلام العالمية ومدى استغلالها للتظاهرات الرياضية، بقدر ما يهم أكثر تحديث التصورات ذاتيا وموضوعيا، لتطوير الأداء المهني، في أفق مونديال سنة 2030، وكذلك التساؤل عن مدى تمكن الاعلام الوطني من أن يكون في المستوى المطلوب في هذه اللحظة الرياضية التاريخية حتى يتمكن من تعزيز قدراته المهنية ليكون في مستوى ما تحققه مختلف فئات المنتخبات الوطنية في كرة القدم، منها الفوز سنة 2025 بكأس العالم لإقل من 20 سنة بالشيلي وما صنعه "أسود الأطلس"، بالوصول لنصف نهاية مونديال قطر سنة 2022 ، والفوز ببرونزية الألعاب الأولمبية بباريس سنة 2024 وهي المنافسات التي عاشت وقائعها بتلقائية المغربيات والمغاربة في مختلف جهات المملكة.

تحصين الاعلام

لكن بالمقابل، فإن قوة هذا التأثير يتطلب الحرص على تسييج مهنة الإعلام الرياضي وتحصينها ضد كل الاختراقات التي تستهدف قواعد المهنية والمصداقية، والأخلاقيات في مقام أول، مع الاحتفاظ للإعلام الرياضي بتأثيره المباشر في الفعل الرياضي بكل القيم التي يحفل بها. 

وبالعودة الى منتدى هيئات رجال الإعمال بالمغرب واسبانيا والبرتغال الخاص بكأس العالم 2030، فإن المداخلات تميزت بطرح عدد من الأفكار والآراء ارتباطا بكأس العالم منها التأكيد على أن السياحة والثقافة مدعوان للعب دور محوري كرافعات اقتصادية ذات قيمة مضافة عالية، وذلك باعتبار أن دمج البعد الثقافي يعزز النموذج السياحي، ويوسع العرض، ويمدد عائداته لتتجاوز الحدث الرياضينفسه، كما أن هناك من دعا في كلمته الى القطع مع ما وصفه ب"المركزية الكروية للبنيات التحتية"، من خلال العمل على تحويل الملاعب والمنشآت الرياضية إلى منصات متعددة الوظائف، تعمل على مدار السنة وتكون مفتوحة لاستضافة فعاليات ثقافية واقتصادية واجتماعية، مع الاعتماد على حلول "الملاعب الذكية" من أجل تعزيز الكفاءة التشغيلية وتحسين تجربة الزوار. 

استراتيجية شاملة

كما أن تنظيم كأس العالم 2030، يعد مشروعاً إستراتيجياً متكاملاً وشاملا، يتجاوز كونه مجرد حدث رياضي دولي ليصبح منصة كبرى للاستثمار والنمو الاقتصادي المشترك، ويرسخ نموذجا فريدا من التعاون المؤسسي الهادف إلى تحقيق عوائد اقتصادية واجتماعية ملموسة وطويلة الأمد للدول الثلاث. كما إن كأس العالم لكرة القدم 2030 يمثل "علامة تاريخية فارقة" تتجاوز أبعادها وطبيعتها الرياضية لتصبح جسراً إستراتيجياً يربط بين أوروبا وإفريقيا، ويشكل بالتالي نقطة انطلاق لمرحلة جديدة من الازدهار المشترك والتكامل الاقتصادي بين الضفتين. 

وإذا كان المشاركون في المنتدى أجمعوا على أن مونديال فيفا 2030 ، الذي يوفر أرضية خصبة لشراكات جديدة بين البلدان الثلاثة التي تزخر بتراث ثقافي وتاريخي وطبيعي استثنائي، فإن كأس العالم يوفر من جهة أخرى إمكانات فريدة لخلق تجارب مشتركة تمزج بين الرياضة والثقافة والاكتشاف، كما جاء في كلمات رؤساء أرباب العمل بكل من المغرب واسبانيا والبرتغال.

تعاون ثلاثي

كما يشكل "فرصة رائعة لإدماج التكنولوجيا”، وذلك من خلال اعتماد برنامج ثلاثي للتعاون بين أقطاب التكنولوجية في البلدان الثلاث، بهدف تطوير حلول رقمية مشتركة، خاصة وأن المضي قدما بشكل منفرد لم يعد خيارا متاحا، في سياق دولي يتسم بإعادة تشكيل سلاسل القيمة واشتداد حدة التنافسية، خاصة وأن حدثا رياضيا بحجم كأس العالم، يمكنه تغيير مسار بلد بأكمله؛ وأن مثل هذه المواعيد تشكل نقطة انطلاق فضلا عن أن تحديث البنى التحتية، تساهم في إعادة التموقع الدولي، والارتقاء بمستوى الاقتصاد. كما سجل الوزير المغربي المكلف بالميزانية، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم.

الإرث المشترك

 وإذا كانت البلدان الثلاثة لا تجمعها الجغرافيا فقط، بل تاريخ طويل من التعايش والتكامل الحضاري والثقافي والاقتصادي، وهو ما يمنح كأس العالم 2030 بعداً يتجاوز الجانب الرياضي، ويجعلها مناسبة لإبراز هذا الإرث المشترك بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، وهو ما يجعل التجربة المشتركة بين المغرب وإسبانيا والبرتغال، " ستُفضي إلى تنظيم أفضل نسخة لكأس العالم في تاريخ كرة القدم"، كما أكد رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم في هذا المنتدى الذي نظم بمشاركة مسؤولين وممثلين عن القطاع الخاص ومقاولات كبرى من الدول الثلاث، بهدف خلق فضاء للتشاور وتبادل الخبرات حول سبل تنزيل المشاريع المرتبطة بالمونديال منها آليات تطوير البنيات التحتية والمرافق الرياضية ووسائل النقل والتنقل الذكي، إلى جانب قطاعات السياحة والفندقة والخدمات الرقمية واللوجستيك، استعدادا لاستضافة المونديال.

لكن رهان تنظيم كأس العالم في كرة القدم سنة 2030، لا يرتبط فقط بعوامل اقتصادية وتجارية ، أو يقف عند حدود توفير البنيات التحتية على الرغم من أهميتهما، ولكن يهم كذلك الاستعداد اللازم والناجع للإعلام الذي يتطلب التوفر على سياسة إعلامية متعددة الأبعاد، من بينها إيلاء أهمية محورية للتكوين، والتكوين المستمر من أجل تجويد الممارسة الإعلامية، بما يتلاءم مع الحاجيات التي تتطلبها مواكبة حدث كبير من قبيل كأس العالم ، لضمان نجاح هذه التظاهرة الرياضية العالمية، التي بإمكانها أن تشكل مدخلا حاسما في تسويق صورة المغرب في تعدديته وحضارته وثقافته، والارتقاء بمستوى الإعلام لما بعد هذه التظاهرة الرياضية العالمية.