سياسة واقتصاد

بين طموح 'الدولة الاجتماعية' ومعاناة 'المؤشر'.. ورش الحماية الاجتماعية في ميزان الواقع

محمد أمين شاكيرا (صحفي متدرب)

​يُشكل ورش الحماية الاجتماعية العمود الفقري للحصيلة التي تدافع عنها الحكومة، باعتباره "ثورة اجتماعية" تهدف إلى صون كرامة المواطن. إلا أن النقاشات التي شهدها برنامج "صدى الأحداث"، مساء الخميس، الذي يعده ويقدمه الزميل الصحفي نوفل العواملة على قناة "ميدي1 تيفي"، وتم تخصيصه لمناقشة الحصيلة التي قدمها رئيس الحكومة عزيز أخنوش، الخميس، أمام غرفتي البرلمان، كشفت عن وجود هوة واسعة بين الأرقام الرسمية المعلنة وبين معاناة فئات عريضة من المغاربة مع "تعقيدات التنزيل" التي جعلت الولوج إلى الدعم والتغطية الصحية أشبه بـ "المتاهة".

​فخ "المؤشر" وإقصاء الفئات الهشة

​توقف النقاش ملياً عند نظام الاستهداف عبر السجل الاجتماعي الموحد، حيث وُجهت انتقادات لاذعة لمنظومة "المؤشر" التي أصبحت، بحسب القراءات الميدانية، وسيلة لإقصاء الفقراء بدلاً من إنصافهم. وتم التأكيد خلال البرنامج على أن مواطنين بسطاء وجدوا أنفسهم خارج نظام "أمو تضامن" (المجاني) لمجرد تفاصيل تقنية لا تعكس واقعهم المادي، كأداء فاتورة هاتف أو التوفر على اشتراك بسيط، مما أدى إلى حرمانهم من التغطية الصحية التي كانوا يتمتعون بها في نظام "الراميد" السابق.

​وفي هذا السياق، جاءت مداخلة الصحفي مصطفى كنيت مدير النشر لجريدة "كفى بريس" لتضع الإصبع على الجرح، حيث انتقد بشدة ما وصفه بـ "التشطيب المفاجئ" على المواطنين من لوائح المستفيدين. 

وأوضح كنيت أن لجوء المواطن البسيط للقطاع الخاص لا يعكس "رفاهية" أو "قدرة مالية" كما يظن نظام المؤشر، بل هو نتاج اضطرار حقيقي بسبب المواعيد الطويلة في المستشفيات العمومية التي قد تتجاوز ستة أشهر، معتبراً أن "معاقبة" المواطن برفع مؤشره لهذا السبب هو خلل صارخ في فلسفة الدولة الاجتماعية.

​تعقيدات الدعم المباشر واستدامة الورش

​المحور الثاني الذي أثار الجدل هو "الدعم الاجتماعي المباشر"، حيث نبهت المداخلات إلى أن المساطر الإدارية تفرض شروطاً قاسية، مثل إجبار الأفراد الذين يعيشون بمفردهم (كالأرامل والمسنين) على الاندماج ضمن أسر أخرى للاستفادة من مبلغ 500 درهم.

 وقد وصف كنيت هذه التعقيدات بأنها تحرم المحتاجين الفعليين من حقهم، مشيراً إلى أن المواطن أصبح يقضي وقته بين "مقاهي الإنترنت" (السيبير) والملحقات الإدارية بحثاً عن جواب لسبب توقف دعمه أو رفض ملفه.

​كما لم يخلُ النقاش من التحذير بشأن الاستدامة المالية؛ فالاستثمار في الحماية الاجتماعية يتطلب موارد ضخمة وضمان أداء المساهمات من طرف الفئات القادرة. 

وأشارت القراءات التقنية إلى أن تقارير المؤسسات الدستورية بدأت ترصد بوادر عجز قد تهدد استمرارية هذا الورش إذا لم يتم إصلاح منظومة الاستهداف بشكل جذري وتوسيع قاعدة المنخرطين المؤدين لمساهماتهم.

​خاتمة: من "الإنجاز الرقمي" إلى "الأثر الإنساني"

​و الخلاصة أن نجاح الحكومة لا يُقاس بمجرد تسجيل 32 مليون مواطن في اللوائح، بل بمدى قدرة هؤلاء على ولوج العلاج بكرامة والحصول على دعم يسد الرمق. 

إن الرسالة التي بعث بها البرنامج، ومن خلالها المداخلات الميدانية، هي ضرورة "أنسنة" منظومة الاستهداف، حتى لا يظل ورش الحماية الاجتماعية "أرقاماً وردية" في التقارير الحكومية، و"معاناة يومية" في أزقة المغرب العميق.