أحيانا، في غفلة مني، يبدأ نوع من الغضب في التسرب إلي. غضب من نقاد الشعر في المغرب؛ فتتكاثف بداخلي جزيئات أنواعٍ من الشتائم واللعنات تجاه أولئك الذين عندما ألتقي بهم نتعانق بحفاوة متبادلة لكنهم لا يتجاوزون ذلك مطلقا إلى عناق نصوصي الشعرية.
وبينما ينفخني الغضب حتى أكاد أنفجر؛ أتذكر أن نيتشه قال لهم ساخرا ذات مرة "إلى الشيطان أيها السادة النقاد" وكنت علقت على الأمر بالقول إن الترجمة كانت ستكون أدق وشافية للغليل لو تم استبدال الشيطان بالحجيم.
وتبعا لذلك تنكبح الشرارة قليلا، ويتراجع نهر اللعنات عن التدفق... ثم أتذكر أن رونان ماكدونالد غسل يديه ثم قام بتغسيل الموتى عندما أصدر كتاب "موت الناقد"؛ فأقول هذا يجعلني أقل توترا وما علي إلا الدعاء بالرحمة لهؤلاء الذين يسمون نقادا في مشهدنا الثقافي، الشعري خصوصا.
أدعو لهم بالرحمة وكلي أمل قريب من اليقين بأن دعائي لن يستجاب له مهما ألححت فيه. وهذا أيضا يريحني قليلا.
ومع أن ماكدونالد يتناول إشكالات عديدة في النقد وعلاقته بالإنتاج الإبداعي في شموليته؛ غير عابئ طبعا بنصوص ينتجها شاعر في زمن ثقافي مغربي؛ فإنني من باب جانبيّ أدخل مساحة للشفقة مؤثرا فكرة أن الناقد لم يمت موتة طبيعية بل تم قتله عن سبق إصرار عندما فتح الأنترنت الباب أمام كل من هب ودب ليصبح ناقدا وشاعرا وكاتبا متعددا، وهذا يجعلني من زواية ما للنظر سعيدا بقدر ما. لقد اختلطت الكتابة في النقد كما اختلطت في الشعر... لا أحد أفضل من أحد.
قبل سنوات كتب العزيز الدكتور محمد فاتح زغل ضمن ما كان يسميه وهو أنئذ رئيس تحرير مجلة الإمارات الثقافية "خواطر من المجلة": " إن النقد أصبح مهنة لعدد كبير من الناس منهم من يعمل في الصحافة، حيث يغلب على كتاباته النظر السطحي السريع. ومنهم من يعمل في التدريس، فيطلع علينا بكم من المصطلحات العلمية الغريبة عن جمهور. قراء، الأدب." وهذا هو التجسيد العملي في نظري لموت الناقد ودفنه إذا وجد له مكان يدفن فيه.
لماذا أكتب بهذا الشكل الهلوساتي عن النقاد الذين أعانقهم ويعانقونني في كل محفل ولقاء دون أن يتجاوزوا ذلك إلى عناق نصوص أكتبها بدأب منذ أربعين عاما؟
لأن مجرد التفكير في الأمر هلوسة! لكن ما يجعل هلوساتي وغضبي ولعناتي تخف تدريجيا هو أن أتذكر أن في المغرب تجارب شعرية بقامات إبداعية عالية جدا أخطأها الناقدون الميتون بتقدير ماكدونالد؛ أو تجاهلوها عن قصد؛ أو لأنه لم يتح لأصحابها أن يقدموا دواوينهم هدية لهؤلاء في مناسبة ما أو عبر البريد! فنقاد الشعر لا يقتنون دواوين الشعر المغربي على كل حال (هكذا أتصور).
وإذ أقول لهؤلاء ما قال نيتشه مع تغيير كلمة الشيطان بالجحيم؛ أعود لأقول شكرا لأصدقائي (أصدقائي للتأكيد) الذين شدهم بعض ما نثرته عبر هذه السنوات الأربعين تقريبا فكتبوا عنه بمحبة!






