ليس هذا فحسب، بل إن تجارب الناس مع الواد التي منبعها جيرانه، تبقى مضرب الأمثال لأن تكرار الوقائع تؤكد جديتها وصوابيتها، ويبدو ربما في وقتنا الحالي أننا نسينا شيئا ما هذه الأمثال حتى فاجأتنا أحداث هذه السنة التي شردت مدنا بأكملها..وتلك الأمثال نضربها للناس ..
وإذا كان القرب من الواد له من النعم الكثيرة لأنه مصدر مباشر للماء ، وحوله تكون الحياة زاهرة وتعج بجميع أنواع الكائنات، فإنه معروف أن الواد يذهب بالأرواح الآدمية والبهائم بين الفينة والأخرى .. خصوصا أنه هناك عدة ضرورات المرور من الضفة إلى الأخرى التي تقتضيه المصالح اليومية والعلاقات الاجتماعية، وهذا يتطلب معرفة ومهارة خاصة، لأن كل عبور محفوف بمخاطر لا يعرفها الجميع.
ورغم كل الاحتياطات الممكنة لا بد من ضريبة القرب هاته مع كل غفلة. ولذلك هذه الأمثال تحذر من استسهال المرور منه ويقولون "ما زال ما قطعتيش الواد ونشفو رجليك". و أيضا يعرفون بطبائع الواد، "دوز على الواد الهرهوري وما تدوزش على الواد السكوتي"، بمعنى أن الطبيعة الهادئة للواد تخدع وتغري بالمرور في الوقت الذي يحمل في أعماق أعماقه تيارا جارفا لا يبقي ولا يذر.
بعض المخادعين يقيسون درجة هيجان الواد "بالهبيل" الذي يفتقد لتقدير عواقب الأمور، بمعنى يورطونه ويحمسونه في عملية مرور فإن سلم تبعوه وإن غرق رجعوا " قيسو الواد بالهبيل".
يقولون أيضا أنه " لي يخمم ما يقطعش الواد" معناه أن الذي يخاف ويكثر من التحليلات والتأويلات العاجزة لا يحاول تحدي الصعاب بشكل محسوب ودقيق للعبور نحو الضفة الأخرى وسط تلك الشدة المخيفة التي لايستطيعها إلا الرجال من أجل قضاء الأغراض الاستعجالية التي لا تنتظر انخفاض منسوب المياه.
مجاورو الوديان يحكون الروايات الكثيرة . كيف أن فلان وهو قادم من السوق قرر المرور مع حماره وما أن وصل للنصف حتى غلبه التيار وحاول وحاول دون جدوى، ثم تمسك بذيل الحمار ،بعدها سلم في البضاعة بعدما سقط الشواري، وتبعه الحمار بما حمل وتمسك بنبات النهر" الصمار" حتى خارت قواه فذهب حيث ذهب ما يملك.
مثل هذا وقع لشخصية اسمها زعكور في شاوية أم الربيع حسب صديق من المنطقة .. وهذه القصة حكاها مسناوة في اغنية سموها "خالي زعكور " ، وهو رجل محبوب، خفيف الظل، معروف بالدعابة.. وهي مرثية حزينة حكت بكاء قبيلة باكملها الفقدان المباغث لخالي زعكور في الواد ، والذي كان يقطعه باستمرار وخصوصا لأكل التين من أحد الجنانات الموجودة في الضفة الأخرى رحمه الله ..






