لم يكن بكاء سكينة بنجلون لحظة ضعف فقط. كان لحظة وظيفة، في الظاهر، بدت امرأة خرجت من السجن ولم تجد أحدا في انتظارها. في العمق، كان المجتمع كله هناك، يؤدي واحدة من أقدم وظائفه غير المعلنة: تثبيت حدوده الأخلاقية من خلال جسد شخص واحد سقط خارجها.
المجتمعات، مثل الأفراد، تحتاج إلى أن تقنع نفسها بأنها على صواب. لكنها لا تفعل ذلك عبر التأمل، بل عبر المقارنة. تحتاج دائما إلى نموذج معاكس، إلى قصة فشل واضحة، إلى وجه يمكن الإشارة إليه باعتباره الدليل. ليس بدافع القسوة دائما، بل بدافع الطمأنينة. الطمأنينة إلى أن النظام ما يزال يعمل، وأن الخط الفاصل بين "نحن" و"هي" ما يزال قائما.
في هذه الزاوية، لم تكن سكينة فقط شخصا أنهى عقوبته. كانت حدثا اجتماعيا أعاد إنتاج شعور جماعي بالانسجام. سقوطها لم يكن مجرد نهاية لمسار فردي، بل كان أيضا لحظة تأكيد ضمني للقواعد. القاعدة التي تقول إن الخروج عنها مكلف. وإن العودة ليست مضمونة.
لهذا، لم يكن غياب المستقبل هو أقسى ما في المشهد. الأقسى هو وضوح الدور الجديد. لم تعد سكينة تُرى كامرأة تحاول أن تبدأ من جديد، بل كقصة مكتملة. كدرس. كتحذير صامت. وجودها نفسه تحول إلى معنى، والمعنى أصبح أثقل من الشخص.
المفارقة أن المجتمع، وهو يفعل ذلك، لا يعلن نواياه. لا أحد يقول صراحة إنه يرفض عودتها. لكن كل شيء يُبنى بطريقة تجعل العودة شديدة الصعوبة. التردد في منح العمل، الحذر في إعادة بناء العلاقات، الصمت الذي يحيط بالمحاولة. كلها آليات ناعمة، لكنها فعالة. آليات لا تعاقب الفعل فقط، بل تعاقب إمكانية تجاوزه.
في هذه النقطة تحديدا، يتغير معنى السجن. لم يعد مكانا، بل وظيفة. وظيفة إنتاج مثال. مثال يظل حيا بعد انتهاء العقوبة، لأن وجوده يخدم توازنات أوسع من مصيره الفردي.
سكينة، وهي تقف أمام الباب، كانت حرة بالمعنى القانوني. لكنها، بالمعنى الرمزي، كانت تؤدي دورا جديدا: دور الشخص الذي يجب أن يبقى مرتبطا بسقوطه، حتى يستمر الآخرون في الشعور بأنهم لم يسقطوا.
السؤال هنا ليس إن كانت سكينة تستحق فرصة ثانية..السؤال هو إن كان المجتمع مستعدا للتخلي عن الفائدة غير المعلنة التي يمنحها له سقوطها، لأن بعض السقوط، في العمق، لا يُرفض فقط لأنه خطأ…
بل لأنه مفيد.






