لم تعد المعارضة في المغرب تثير ذلك الإحساس القديم بأنها تقف على عتبة السلطة. حضورها قائم، ومواقفها معلنة، ونقدها لا ينقطع، ومع ذلك لم يعد وجودها يخلق ذلك التوتر الصحي الذي تحتاجه الحياة السياسية. لم يعد المواطن يتابعها بوصفها قوة قد تحكم، بل بوصفها صوتا يعلق على ما يحدث.
في الأصل، لم تكن المعارضة مجرد موقع خارج الحكومة، بل كانت تمثل وظيفة أعمق: أن تجسد احتمالا آخر. كانت تعني، في وعي الناس، أن ما هو قائم ليس نهائيا، وأن السلطة يمكن أن تنتقل، وأن الاختيارات يمكن أن تتغير. هذا الإحساس لم يكن مرتبطا فقط بنتائج الانتخابات، بل بفكرة أساسية: أن المعارضة مشروع سلطة مؤجل.
ما تغير اليوم هو أن هذه الفكرة نفسها فقدت وضوحها.
جزء مهم من أحزاب المعارضة قاد الحكومة خلال العقد الأخير، خاصة بعد محطة 2011 التي شكلت لحظة سياسية استثنائية. تلك التجربة فتحت أفقا واسعا، لكنها، مع مرور الوقت، كشفت أيضا حدود القدرة على إحداث التحول الذي كان منتظرا. لم يكن الأمر فشلا بالمعنى البسيط، بل كان اكتشافا جماعيا لمدى تعقيد السلطة، ولحجم القيود التي تتحكم في ممارستها.
منذ ذلك الحين، بدأ يتراجع الإيمان بأن الوصول إلى الحكومة يعني، بالضرورة، تغيير قواعد اللعبة.
وهنا بالضبط فقدت المعارضة جزءا من معناها.
لأن المعارضة لا تستمد قوتها من نقدها للسلطة فقط، بل من قدرتها على إقناع المجتمع بأنها تمثل سلطة بديلة ممكنة. حين يضعف هذا الإقناع، تتحول المعارضة تدريجيا إلى قوة تفسير، لا قوة تغيير. تشرح ما يحدث، تنتقده، لكنها لا تفتح أفقا مختلفا عنه.
المفارقة أن هذا التحول لم يكن نتيجة ضعف المعارضة وحدها، بل أيضا نتيجة طبيعة المرحلة. القرار العمومي في المغرب، خاصة في مستوياته الاستراتيجية، أصبح محكوما بمنطق استمرارية واضح. هذا جعل الفوارق بين الفاعلين السياسيين تبدو محدودة في نظر جزء واسع من المواطنين. لم يعد الاختلاف يُرى كاختلاف في الاتجاه، بل كاختلاف في الأسلوب.
في هذا السياق، لم يعد المواطن يسأل: متى ستصل المعارضة إلى السلطة
بل صار يسأل، بصمت أكبر: ماذا سيتغير فعلا إذا وصلت
هذا السؤال، في حد ذاته، يلخص حجم التحول.
لأن السياسة، في جوهرها، تقوم على وجود بدائل قابلة للتصديق. وحين تضعف قابلية التصديق، يضعف معها معنى التنافس نفسه. تصبح السياسة أقل ارتباطا بإنتاج المستقبل، وأكثر ارتباطا بإدارة الحاضر.
الأكثر دلالة أن المعارضة نفسها، في كثير من الأحيان، لم تعد تتصرف كقوة تستعد للحكم، بل كقوة تكتفي بمراقبة من يحكم. تركز على كشف الاختلالات، لكنها لا تقدم دائما تصورا متكاملا يجعل وصولها إلى السلطة يبدو امتدادا طبيعيا لعملها.
وهنا تتشكل أخطر مفارقة: المعارضة موجودة، لكنها لم تعد تُرى كبديل.
وهذا لا يضعف المعارضة فقط، بل يضعف السياسة نفسها. لأن التوازن السياسي لا يقوم على وجود السلطة وحدها، بل على وجود احتمال واقعي لتغيرها.
حين يختفي هذا الاحتمال من الوعي العام، لا تختفي المؤسسات، ولا يتوقف العمل السياسي. الذي يحدث هو شيء أكثر هدوءا: يتراجع الإحساس بأن السياسة يمكن أن تفاجئ...هناك تحديدا، تتوقف المعارضة عن أن تكون حدثا… وتصبح مجرد موقع..






