تحليل

بين الإجماع الوطني والتنافس الانتخابي: قراءة في بلاغات ثلاثة أحزاب مغربية

عبد العزيز بن صالح (كاتب)

في ظرفية سياسية دقيقة، تتقاطع فيها رهانات الوحدة الترابية مع التحولات الإقليمية، وتتزامن مع ضغوط اجتماعية متزايدة بفعل الغلاء وتداعيات الفيضانات، صدرت بلاغات متتالية عن كل من حزب الأصالة والمعاصرة والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب العدالة والتنمية.

ورغم اختلاف المواقع السياسية لهذه الأحزاب، فإن قراءة متأنية تكشف مشهدا حزبيا يتحرك داخل سقف وطني مشترك، لكنه يتباين في زوايا النظر وأسلوب الخطاب والرهانات المستقبلية.

 

1- إجماع استراتيجي حول الثوابت

 

أول ما يلفت الانتباه هو الإجماع الواضح حول القضايا السيادية، وعلى رأسها ملف الصحراء. جميع البلاغات جددت التعبئة خلف القيادة الملكية، وأشادت بالتقدم الدبلوماسي، وبانتخاب المغرب لعضوية مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي.

هذا التلاقي يعكس تحوّل القضايا الاستراتيجية إلى مجال “إجماع وطني مؤسسي” خارج التجاذب الحزبي المباشر، حيث تُقدَّم الوحدة الترابية باعتبارها مرجعية عليا لا تخضع للمزايدات السياسية.

كما تقاطعت المواقف في تثمين جهود الدولة في مواجهة الفيضانات، وفي الإشادة بالتعليمات الملكية المتعلقة بدعم المتضررين، وهو ما يعكس حرص الأحزاب على الظهور في موقع المسؤولية الوطنية خلال الأزمات.

 

2 - اختلاف في التموضع السياسي

 

غير أن هذا الإجماع لا يخفي اختلافا واضحا في التموقع.

بلاغ الأصالة والمعاصرة اتسم بلغة مؤسساتية هادئة، ركزت على دعم الإصلاحات القانونية والاقتصادية، وعلى الانخراط الإيجابي في تدبير الملفات. يظهر الحزب هنا في موقع الشريك الحكومي الحريص على إبراز الاستقرار والنجاعة، مع إشارة واضحة إلى جاهزيته التنظيمية للاستحقاقات المقبلة.

في المقابل، حاول الاتحاد الاشتراكي المزج بين دعم الثوابت الوطنية واستعادة النفس النقدي. فقد أثار مسألة الغلاء والاحتكار، وانتقد سلوك الأغلبية الحكومية، ودافع عن عدد من الفئات المهنية. إنه خطاب يسعى إلى التوازن بين الوطنية المؤسساتية والرهان الاجتماعي، مع توجيه رسائل ضمنية إلى اليسار بضرورة التنسيق في أفق الانتخابات.

أما العدالة والتنمية، فقد اختار نبرة أكثر هجومية، منتقدا ما وصفه بالارتباك الحكومي، ومثيرا إشكالات تنزيل الدعم الاجتماعي، ومستثمرا ملف فلسطين والتصريحات الأمريكية لإبراز موقعه الأخلاقي والسياسي. إنه خطاب معارضة صريحة يراهن على تعبئة اجتماعية وقيمية في آن واحد.

 

3- الغلاء… ساحة التنافس القادمة

 

إذا كان ملف الصحراء مجال إجماع، فإن ملف الغلاء وتحسين القدرة الشرائية يبدو ساحة التنافس الرئيسية.

المعارضة تسعى إلى تحميل الحكومة مسؤولية الاحتكار وتضارب المصالح، بينما تحاول مكونات الأغلبية إبراز منجزاتها الإصلاحية وتحصين صورة الاستقرار.

وهنا يتجلى السؤال المحوري: هل تستطيع الأحزاب تحويل المواقف المعلنة في البلاغات إلى سياسات ملموسة تقنع المواطن؟ أم أن البلاغات ستظل مجرد رسائل تموقع انتخابي مبكر؟

 

4 - بين الإجماع والتعدد

 

المشهد الحزبي المغربي اليوم يعكس مفارقة لافتة:

إجماع واسع في القضايا الاستراتيجية، وتعدد في الرؤى والرهانات داخل المجال الاجتماعي والاقتصادي.

وهي مفارقة قد تكون علامة نضج سياسي، إذا تحولت المنافسة إلى تنافس برامجي حقيقي، وقد تتحول إلى مجرد صراع خطابي إذا غاب البديل المقنع.

في النهاية، لا تكمن أهمية هذه البلاغات في ما أعلنته من مواقف فقط، بل في ما تكشفه من إعادة ترتيب للتموقعات استعدادا لمرحلة سياسية جديدة عنوانها: من يقود المرحلة المقبلة، وبأي مشروع.