يكشف التقصي في الأرشيفات العسكرية والدبلوماسية الأجنبية عن حقائق دامغة حول عمق السيادة المغربية، بعيداً عن أي قراءة محلية قد يراها البعض منحازة.
ففي أعقاب سقوط مدينة الجزائر عام 1830، لم تكن جغرافيا المنطقة فقط فراغا ينتظر الاحتلال، بل كانت مجالاً سيادياً حيوياً تحرك فيه المغرب بناءً على روابط شرعية وثقتها تقارير الضباط الفرنسيين أنفسهم.
ويؤكد المؤرخ العسكري الفرنسي "بول أزان" (Paul Azan) في أبحاثه حول بدايات الاحتلال الفرنسي لإيالة الجزائر التي كانت مجرد دايلك Deylik يحكمها داي Dey تركي، تقع تحت نفوذه ثلاث إمارات صغيرة تسمى كل إمارة بايلك Beylik يحكمها باي Bey تركي، أن سكان وأعيان مدينة تلمسان التي كانت تابعة لبايلك الغرب، رفضوا استمرار مدينتهم في الخضوع للباي حسن المقيم في وهران عاصمة بايلك الغرب، وتخوفوا من سقوط مدينتهم تحت الاحتلال الفرنسي، فسارعوا بإرسال وفد رسمي إلى العاصمة المغربية مكناس لمبايعة السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام، وهو ما وثقه بدقة في مؤلفه المرجعي حول تلك الحقبة (انظر صورة غلاف كتاب "بول أزيان" المرفقة)..
هذه الواقعة تسببت في قلق بالغ لدى القيادة العسكرية الفرنسية؛ حيث تشير مراسلات الحاكم العام الفرنسي آنذاك، المشير "كوزيل" (Maréchal Clausel)، إلى أن القوات المغربية، المكونة من كيش "الوداية" و"عبيد البخاري" بقيادة ابن عم السلطان مولاي علي بن سليمان، قد دخلت تلمسان فعلياً في نوفمبر 1830، وتسلمت مقاليد الحكم ورفعت العلم المغربي فوق قلعة "المشور" التاريخية، استجابةً لطلب السكان الذين رأوا في العرش العلوي الملاذ الشرعي الوحيد بعد تهاوي السلطة العثمانية.
وفي هذا السياق، يعد كتاب "تلمسان: العاصمة القديمة للمملكة التي تحمل هذا الاسم" (Tlemcen : ancienne capitale du royaume de ce nom)، الصادر بباريس عام 1859، واحداً من أثمن الوثائق التاريخية التي خطّها قلم أكاديمي فرنسي مرموق، وهو البروفيسور "أبّي بَرْجيس" (Abbé J.J.L. Bargès)، أستاذ اللغة العربية بالسوربون وعضو الجمعية الآسيوية.
ولا تكمن قيمة هذا المؤلف في كونه تأريخاً دقيقاً لمعالم المدينة وتراثها فحسب، بل في كونه شهادة معاصر من صلب النخبة الفرنسية، توثق اعترافاً صريحاً بالسيادة المغربية التاريخية على تلمسان.
فبين دفتي هذا الكتاب، وخاصة في الصفحة 407، نجد سرداً دامغاً للحظة التي اختار فيها سكان تلمسان العودة إلى حضن الدولة المغربية الشريفة ومبايعة السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام عام 1830، مما يجعل من هذا المرجع صكاً تاريخياً يفضح زيف الحدود المصطنعة التي رسمتها الإدارة الاستعمارية لاحقاً (انظر صورة غلاف كتاب "أبّي بَرْجيس" المرفقة).
وفي مقابل هذه الشرعية التاريخية الميدانية، لجأت فرنسا بعد تسع سنوات من هذا التوسع المغربي، وتحديداً في 14 أكتوبر 1839، إلى "مناورة إدارية" قادها وزير الحرب "فيرجيل شنايدر" (Virgile Schneider). ففي مراسلته الشهيرة للمشير "سيلفان شارل فالي" Sylvain Charles Valée، أمر شنايدر بإلغاء مسميات مثل "الممتلكات الفرنسية في شمال إفريقيا" (Possessions françaises dans le Nord de l'Afrique) أو "إيالة الجزائر السابقة" (Ancienne Régence d'Alger)، وفرض مسمى مستحدثاً هو "آلجيري" (Algérie)؛ مبرراً ذلك بحجة "براغماتية" مثيرة للسخرية، وهي أن الاسم الجديد "أقصر وأبسط" (Plus court et plus simple) في تحرير التقارير العسكرية.
(انظر صورة الوثيقة الأصلية لقرار "شنايدر" من الأرشيف الفرنسي المرفقة).
إن المقارنة بين دخول تلمسان تحت لواء السلطان المغربي عام 1830 بطلب من أهلها، وبين قرار شنايدر "اختراع" مسمى "آلجيري" عام 1839، تبرز الفرق الجوهري بين "الدولة-الأمة" المغربية التي تستجيب لنداء سكانها وتوسع حدودها بناءً على القانون والشرع، ومنطق "الدولة-الإدارة" الاستعمارية التي صِيغت بقرار وزاري لدمج أراضٍ ومجالات لم تكن يوماً تشكل وحدة سياسية موحدة. لقد حاول شنايدر بقراره الإداري طمس الحقيقة التي اعترف بها أسلافه من الجنرالات: وهي أن تلمسان وما حولها كانت ترى في الرباط ومكناس عاصمتها السيادية بمجرد رحيل الأتراك، قبل أن يتدخل المقص الاستعماري لترسيم حدود "آلجيري" على حساب الحوزة الترابية المغربية.
وهذا ما كان.
المرجع التوثيقي (أجنبي):
Paul Azan, L'Émir Abd el-Kader 1808-1883
(توثيق وفد تلمسان لمكناس ودخول الجيش المغربي).
Maréchal Clausel, Correspondance officielle
(تقارير الحاكم العام حول الوجود المغربي في تلمسان 1830-1831).
Abbé J.J.L. Bargès, Tlemcen : ancienne capitale du royaume de ce nom
(تفاصيل البيعة والسيادة المغربية).
Dépêche ministrérielle de Virgile Schneider, 14 Octobre 1839
(أرشيف الدفاع التاريخي بفرنسا SHD).






