لم يكن النقاش الذي دار داخل مجلس الجهة الاثنين 2 مارس الجاري حول التمثيلية في الجمعية المسيرة لمقبرة الاحسان بالدار البيضاء نقاشاً تقنياً عادياً، كما قد يبدو في ظاهره، بل كشف مرة أخرى عن حجم الرهانات التي تحيط بمرافق يُفترض أنها خارج منطق التجاذب السياسي. فأن يتحول تدبير المقابر إلى محور شد وجذب بين مكونات سياسية مكونة للتحالف الثلاثي الحاكم، فذلك يطرح أكثر من علامة استفهام واستغراب.
السؤال الذي يفرض نفسه بهدوء، بعيداً عن الانفعال، هو: ما الذي يجعل منصباً داخل جمعية تُعنى بتدبير شؤون الدفن يحظى بكل هذا الاهتمام؟ هل يتعلق الأمر بحسن الحكامة فعلاً، أم بأن الأمر يتجاوز البعد الإداري إلى ما هو انتخابي وتنظيمي؟ فالتجربة تُظهر أن بعض المواقع، مهما بدت تقنية، تتحول في السياق المحلي إلى أدوات نفوذ، تُستثمر في بناء شبكات الولاء وترتيب الأوراق استعداداً لمحطات قادمة.
اللافت أن جزءاً من النخبة التي تخوض اليوم هذا النقاش، سبق أن ارتبط اسمها بملفات تدبير أسواق الجملة، خاصة سوق الخضر والفواكه، وهي قطاعات ظلّت محاطة بجدل واسع حول الاختلالات وارتفاع الأسعار وطبيعة العلاقات داخل سلسلة التدبير. لم يُحسم ذلك الجدل بعد، لكن انتقال بؤرة التنافس إلى ملف المقابر يوحي بأن الأمر يتعلق بمنطق متكرر: السيطرة على مفاصل التدبير المحلي باعتبارها مفاتيح تأثير لا مجرد مهام إدارية.
في خضم هذا السجال، يكاد يغيب البعد الإنساني للقضية. فالمقابر ليست مجرد فضاءات خدمية، بل هي مرآة لمدى احترام المدينة لكرامة مواطنيها بعد رحيلهم. غير أن النقاش لم يتجه بما يكفي نحو تحسين شروط الدفن، أو معالجة الاختلالات القائمة، أو التفكير في رؤية متكاملة تضمن العدالة والمساواة بين الجميع. بل بدا أحياناً وكأن المسألة تُختزل في من يتولى التسيير لا في كيف يُدار المرفق.






