ففلسفة الأسرة تقوم على ذلك التوازن القائم بين الأب و الأم، و تكامل الأدوار و الوظائف بينهما لضمان نوع من الاستقرار، و الولاية القانونية هدفها الأساس هو حفظ مصلحة الأبناء و توفير احتياجاتهم المادية و المعنوية، و هو ما يحيلنا على القوامة كصفة لصيقة بالأب داخل كنف الأسرة و أثناء قيام العلاقة الزوجية ، لكننا عندما نتحدث عن انحلال ميثاق الزوجية، فنحن نتحدث عن طرفين استقل كل منهما بأسرته و حياته، ما يجمعهما هو الأبناء إن وجدوا، و بالتالي وجب العمل على أداء وظائفهما تجاههم بنفس الدرجة، بما يضمن تنشئة و ظروف سليمة للمحضون، فتدبير الحياة و الأبناء سواء داخل العلاقة الزوجية أو بعد انحلالها، يجب أن يتسم بالإنصاف أكثر، دون ترسيخ لمبدأ الدونية في حق المرأة، وسلبها الحق في المشاركة الفعالة في تربية الأبناء و إدارة شؤونهم، و تصويرها على أنها غير قادرة على اتخاذ القرارات.
في شق آخر نجد أن الأم تتحمل مسؤولية جانب كبير من التربية و الرعاية، و الإعداد و الاهتمام و هذا يسري مع طبيعة دورها ووظيفتها الاجتماعية، ما يمنحها هالة من التقدير و الامتنان لدورها، فلطالما تم تلقيننا أن الأم مدرسة ...و أن المرأة نصف المجتمع... فكيف لنصف المجتمع ألا يملك الحق في إجراء إداري يخص أبناءه و مصلحتهم ؟
ومن المفارقات أيضا نجد أن القانون يمنح الأفضلية للأم بالدرجة الأولى في موضوع الحضانة، لكن في نفس الوقت ينزع منها أحقية الولاية القانونية المشتركة، فكيف للحاضن ألا يقضي مآرب أبناءه ؟
هذه المقارنات لا ينبغي أن يفهم منها أنها من باب الندية، أو الصراع العقيم المفتعل بين الرجل و المرأة، بل يجب أن نطل من خلالها على حجم الإشكالات الواقعية، التي أدت إلى طرح هذا الموضوع و إثارته، و أبرزها عدم قدرة الأم على تنقيل الأبناء من المدرسة، و عدم التمكن من إنجاز الوثائق الإدارية الخاصة بهم مثل البطاقة الوطنية ، وفتح الحسابات البنكية لهم أو السفر بالمحضون ...
هي مسائل عادية لكن قانونيا لا يمكنها الإقدام عليها بمفردها و بسلاسة ، دون اللجوء إلى مجموعة من الإجراءات القانونية، بل حتى أنه في بعض الحالات يغيب أو ينعدم الدور الأصيل للأب تجاه أبناءه، من مسؤوليات و التزامات مادية ومعنوية، لكن لا تغيب أفضليته القانونية عند أي خطوة تخصهم كبيرة أو صغيرة.
فمن غير المعقول أن تضطر الأم لمكابدة العناء، و التنقل بين أروقة الإدارات من أجل قضاء مصلحة إدارية لأبنائها، فالأصل في الموضوع هو تيسير الحياة لا تعقيدها، خصوصا في الوقت الذي يجب إمدادها بسبل التخفيف من حدة المسؤوليات الملقاة عليها بعد الطلاق، و تعبيد الطرق أمامها شريطة ألا يضر هذا التيسير بحقوق الأب، بصفته وليا أيضا وشريكا في التربية و الرعاية.
ولعل الممارسين في مجموعة من الإدارات العمومية، يعون جيدا العراقيل المطروحة على أرض الواقع، خصوصا قبل امتحانات الباكالوريا أو في فترة الدخول المدرسي الخ.
مما يحتم على الأمهات اللجوء إلى المحاكم، و نذكر هنا القضاء الإستعجالي و مساهمته في البث في مجموعة من القضايا، من بينها طلبات تدخل في مجال القضاء الأسري كالسفر بالمحضون خارج البلد و غيرها، بالإضافة إلى اجتهادات النيابة العامة خصوصا فيما يتعلق بالانتقالات المدرسية، ويأتي ذلك استنادا لمبدأ الحفاظ على المصلحة الفضلى للطفل، و تماشيا مع مقتضيات مدونة الأسرة كالمادة 54 و الدستور المغربي في مادته 19 الذي يقر بالمساواة في الحقوق المدنية و السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و البيئية والثقافية، و حق التمدرس في الذي تنص عليه الفصول 31 و 32، و هو ما تكفله أيضا المواثيق و الاتفاقيات الدولية.
فالعلاقات الزوجية في مجتمعنا، غالبا ما تنتهي بالرغبة في الانتقام و التضييق و الشد و الجزم، مما يجعل مصلحة الأبناء على المحك، و خاضعة لمزاجية الطرفين و هو ما يستدعي تدخل القانون لحماية الحقوق و تصويب المسارات، و هذا من باب مسايرة التغيير و الشمولية في مجموعة من القضايا، و الأوضاع و الحالات المستجدة، لأن المجتمع في حركية و تطور متواصل، يتحتم معه الإصلاح المستمر للقانون، و تعديل ما يمكن تعديله وفقا للإختلالات التي أظهرها الواقع العملي و الميداني اليوم، و هو ما نأمله في التعديلات المقبلة لمدونة الأسرة بعد مرور 22 سنة من العمل بها.
وموازاة مع اليوم العالمي للمرأة فالاحتفال قد لا يكون مجديا بالورود و الشعارات المستهلكة، أكثر من أن يمس جانبا حقوقيا يترجم على أرض الواقع إلى قوانين منصفة، و حياة اجتماعية مستقرة و التي تنعكس إيجابا على الأسرة والمجتمع، بل هو فرصة لاستقراء حصيلة الانجازات و المكتسبات و التحديات التي لا تزال قائمة .






