نادرا ما تكون الاستقالات السياسية بريئة من السياق.
فتنحّي رئيس الحكومة المغربية عن رئاسة حزب “الحمامة” لا يمكن قراءته كحدث تنظيمي معزول، بل كإشارة دالّة على مسار سياسي كامل، كان فيه الحزب أقرب إلى مستفيد من الدولة، لا حاملاً لمشروع مستقل عنها.
ولعل بيت عنترة بن شداد يصلح مفتاحًا رمزيًا لهذه اللحظة:
*هل غادر الشعراء من متردَّمِ
أم هل عرفتَ الدار بعد توهّمِن*
من الحزب إلى الامتداد
في التجارب الديمقراطية الكلاسيكية، تسعى الأحزاب إلى الوصول للدولة لتنفيذ برامجها.
أما في هذه التجربة، فقد بدا المسار معكوسًا: الدولة هي التي فتحت أبوابها للحزب، ومنحته الشرعية، والامتداد، والقدرة على الانتشار.
هكذا لم يكن الحزب مشروعًا سياسيًا صاعدًا بقدر ما كان وعاءً تنظيميًا جاهزًا لاستيعاب السلطة.
ومع الزمن، لم يعد الفرق واضحًا بين ما هو حزبي وما هو إداري، بين القرار السياسي والقرار التقني.
المتردَّم الذي لم يُرمَّم
حين تساءل عنترة إن كان الشعراء قد تركوا موضعًا للترميم، كان يقصد التعبير لا الأطلال.
أما هنا، فالمتردَّم هو الحزب نفسه، الذي لم يُبنَ على صراع أفكار أو تراكم نضالي، بل على منطق القرب من الدولة.
ومع أول اختبار اجتماعي حقيقي، بدا أن هذا البناء يفتقر للأساس الشعبي الصلب، وأن السلطة التي رفعت الحزب، هي نفسها التي جعلته هشًا خارجها.
دار الدولة لا دار الحزب.
أم هل عرفتَ الدار بعد توهّمِ
الدار التي سكنها الحزب لم تكن داره الأصلية.
لقد سكن دار الدولة، واستظل بمؤسساتها، واستفاد من صورتها وهيبتها. ومع مرور الوقت، توهّم الحزب أنه أصبح الدولة، أو على الأقل شريكها المتكافئ.
لكن لحظة التنحي أعادت ترتيب المشهد: الدولة باقية بمؤسساتها، والحزب مطالب بإعادة تعريف نفسه خارجها.
تنحٍّ لحماية الدولة لا الحزب
خلافًا للقراءات الرومانسية، لا يبدو التنحي تضحية حزبية بقدر ما هو إجراء لحماية صورة الدولة من تماهيها المفرط مع حزب واحد.
فاستمرار الجمع بين رئاسة الحكومة وزعامة الحزب كان يكرّس فكرة أن الحزب هو الدولة، بينما الواقع يُظهر العكس تمامًا: الحزب كان يستمد قوته من الدولة، لا من قواعده أو مشروعه.
*تحية الوداع*
وعِمي صباحًا دارَ عبلةَ واسلمي
هي تحية وداع للدار التي منحت الحماية والامتداد.
خروج هادئ، بلا صراع، لأن العلاقة لم تكن تنافسية أصلاً، بل وظيفية.
خلاصة، لم يغادر رئيس الحكومة رئاسةة الحزب لأنه استنفد دوره فيه، بل لأن وظيفته داخله انتهت.
فقد أدى الحزب مهمته كأداة سياسية مرحلية، استفادت من الدولة أكثر مما أضافت إليها.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
حين تبني حزبك داخل الدولة، لا تبني دولة قوية، بل حزبا هشا لا يستطيع العيش خارج ظلها.






