فن وإعلام

"تلخيص الابتسام عن دولة ابن هشام".. نص تاريخي يضيء مغرب الإصلاح والأزمات

كفى بريس (مراسلة)

صدر حديثاً عن مركز جسور للدراسات التاريخية والاجتماعية كتاب جديد بعنوان تلخيص الابتسام عن دولة ابن هشام، بتحقيق الباحث عبد الجبار گارح، وهو عمل يندرج ضمن جهود المركز في إخراج النصوص التاريخية المغربية المخطوطة، وإتاحتها أمام الباحثين والمهتمين بتاريخ المغرب الحديث.

يكتسي هذا الإصدار أهمية خاصة، لأنه يعيد إلى الواجهة واحداً من النصوص التاريخية التي ارتبطت بفترة دقيقة من تاريخ المغرب، هي فترة حكم السلطانين المولى سليمان والمولى عبد الرحمن بن هشام، وما عرفته البلاد آنذاك من تحولات سياسية وعسكرية واجتماعية، فضلاً عن علاقاتها بجوارها المغاربي والمشرقي، وبالقوى الأوروبية الصاعدة.

والكتاب، في أصله، تلخيص وتنقيح أنجزه الفقيه والمفكر المغربي محمد بن الحسن الحجوي لمؤلف الابتسام عن دولة ابن هشام، الذي اعتبره الحجوي تاريخاً حافلاً بالإفادات المهمة، غير أنه لم يخل، في نظره، من حكايات واستطرادات بعيدة عن مقتضيات الكتابة التاريخية. لذلك أقدم الحجوي على تنقيحه، واستخراج ما يتصل بالتاريخ من مادته، مع إضافة تعاليق وتراجم توضّح بعض القضايا، وتقرّب النص من القارئ والباحث.

ومن هنا تأتي قيمة العمل المحقق؛ فهو لا يقدم نصاً تاريخياً فقط، بل يكشف أيضاً عن نظرة الحجوي إلى التاريخ، وعن وعي نقدي مبكر بأهمية التمييز بين الخبر التاريخي وما يعلق به من روايات لا تستقيم مع منهج المؤرخ. فقد تعامل الحجوي مع «الابتسام» بوصفه مادة تحتاج إلى ترتيب وتنقيح وتعليق، وهو ما يمنح النص بعداً مزدوجاً: بعداً مرتبطاً بالقرن التاسع عشر وأحداثه، وبعداً آخر متصلاً ببداية القرن العشرين وأسئلة الإصلاح والتحديث التي شغلت النخبة المغربية.

يتناول الكتاب مرحلة السلطان المولى سليمان، بدءاً من بيعته سنة 1792م، وما رافقها من اضطرابات وانقسامات، وصولاً إلى محاولاته في تدبير شؤون الدولة، وعنايته بالعلماء والمساجد والتعليم، ثم ما شهدته البلاد من أوبئة ومجاعات وثورات داخلية. كما يقف النص عند حدود مشروعه السياسي، وخاصة في ما يتعلق بالجيش، حيث يبرز تعليق الحجوي على خطورة الاكتفاء بالأنماط العسكرية القديمة، وعدم المبادرة إلى تحديثها في وقت كانت فيه دول أخرى، مثل مصر في عهد محمد علي، تخوض تجارب إصلاحية واسعة.

أما القسم المتعلق بالسلطان عبد الرحمن بن هشام، فيسلط الضوء على مرحلة لا تقل حساسية، تميزت بالمجاعة والكوارث الطبيعية، وباضطرابات جيش الأوداية، وبالعلاقة المعقدة مع الجزائر عقب الاحتلال الفرنسي سنة 1830م، ثم بدعم الأمير عبد القادر وما ترتب عنه من تداعيات، أبرزها معركة إيسلي. ويكشف النص، من خلال هذه الأحداث، عن هشاشة البنية العسكرية والإدارية للمغرب، وعن الفارق المتزايد بين الدولة المغربية والقوى الأوروبية من حيث التنظيم والإدارة والجيش.

ولا تنحصر أهمية المخطوط في الجانب السياسي والعسكري فقط، بل تمتد إلى رصد الحياة الفكرية والاجتماعية والاقتصادية. فهو يقدم إشارات غنية إلى العلماء والكتاب والقضاة والولاة والسفراء، كما يعرض صوراً من العلاقات المغربية مع الدولة العثمانية، والحجاز، ومصر، وطرابلس، والجزائر، وأوروبا. وبذلك يشكل الكتاب مصدراً مهماً لفهم شبكات التواصل السياسي والثقافي التي ربطت المغرب بمحيطه في القرن التاسع عشر.

ويُحسب للمحقق عبد الجبار گارح أنه أعاد هذا النص إلى التداول العلمي، من خلال قسم دراسي يعرّف بمحمد بن الحسن الحجوي، ويعرض مساره العلمي والوظيفي والفكري، ثم يدرس المخطوط من حيث مضمونه ودواعي تأليفه وجنسه وقيمته التاريخية، قبل الانتقال إلى النص المحقق. كما أرفق العمل بفهارس تخدم الباحث وتيسر الولوج إلى مضامينه.

إن صدور تلخيص الابتسام عن دولة ابن هشام يمثل إضافة نوعية إلى المكتبة التاريخية المغربية، لأنه يتيح قراءة جديدة لمرحلة مفصلية من تاريخ المغرب، مرحلة وقفت فيها البلاد بين ضغط الداخل وتحديات الخارج، وبين إرث سياسي تقليدي وحاجة متزايدة إلى الإصلاح. كما يسمح للقارئ بالوقوف على صوت الحجوي، ذلك الفقيه الإصلاحي الذي كان ينظر إلى التاريخ بوصفه مجالاً للعبرة، ووسيلةً لفهم أسباب التراجع، ومدخلاً للتفكير في شروط النهضة.