تفتح لنا الأوراق رقم 1 و2 من المجلد رقم 11161 (أرشيف سيمانكاس) فصلاً استثنائياً من تاريخ الصراع حول السيادة المغربية في منتصف القرن السادس عشر، وتحديداً في عام 1550م.
ترصد هذه المخطوطات تفاصيل اتفاق سري جرى بين أبو حسون علي بن محمد الشيخ الوطاسي، الذي تذكره المراسلات الإسبانية والبرتغالية باسم "مولاي بعصون" (Muley Baaçón)، وبين المبعوث البرتغالي دون بيدرو ماسكاريناس (Don Pedro Mascareñas).
وقد جاء في النص الأصلي الوارد في الوثيقة ما يلي:
"Asento que sea tomado Entre el señor muley baaçón rrey de velez dela gomera y el señor don pedro mazcareñas del consejo del señor rrey de portugal... Primera mente dixeron que por quanto el señor rrey de portugal... mandava despoblar y derrocar la ciudad de Arzila para poseer mas comodamente hazer la guerra al xarife... le escrivio que si el señor rrey se terminase de mandar despoblar aquella ciudad que le hiziese m.d de mandarsela entregar a el porque esperava in dios todo poderoso que con su persona... defenderia aquella ciudad... y que el señor rrey echaria al xarife de los rreynos de fez y marruecos..."
وترجمتها: (الاتفاق الذي تم عقدُه بين السيد مولاي بعصون، ملك بادس (Velez de la Gomera)، والسيد دون بيدرو ماسكاريناس، عضو مجلس ملك البرتغال... أولاً، صرحوا أنه بما أن ملك البرتغال قد أمر بإخلاء وهدم مدينة أصيلة (Arzila) ليتمكن من خوض الحرب ضد "الشريف" بشكل أكثر راحة... فقد كتب له (مولاي بعصون) أنه إذا قرر الملك إخلاء تلك المدينة، فليتفضل بمنحها له وتسليمها إليه، لأنه يأمل في الله القدير أنه بشخصه سيدافع عن تلك المدينة، وأن الملك سيطرد "الشريف" من مملكتي فاس والمغرب.
وتبرز الوثيقة تسمية مثيرة للاهتمام أطلقها الإسبان والبرتغاليون على أبو حسون الوطاسي، وهي لقب "ملك بادس" (Rey de Velez de la Gomera).
ولا ينصرف هذا اللقب إلى الصخرة الصغيرة المعزولة فحسب، بل يشير تاريخياً إلى سيادته على مدينة بادس الساحلية وكافة أراضي الساحل والقبائل المحيطة بها قبالة الصخرة، والتي اتخذ منها عاصمة فعلية وقاعدة عسكرية أخيرة لسلطته بعد سقوط فاس في يد السعديين عام 1449م.
ويتزامن هذا الصراع مع طموحات توسعية كانت تحاك في الشرق.
ففي إيالة الجزائر، كان الحاكم العثماني (الداي) آنذاك يرمي بعينه نحو المغرب، مستخدماً مدينة الجزائر كقاعدة انطلاق لتوسيع نفوذ الأتراك العثمانيين.
وقد كانت فترة النزاع بين أبو حسون وخصمه الشريف السعدي محمد الشيخ مناسبة سانحة للحكام الأتراك في "إيالة الجزائر" للتدخل تحت غطاء دعم الوطاسيين.
غير أن هذا المسعى لاختراق السيادة المغربية لم يتحقق، إذ سرعان ما اشتد عضد الدولة السعدية وأصبح كيانها صامداً، مما مكن السلطان محمد الشيخ من كسر أطماع "إيالة الجزائر" وتوحيد البلاد، واضعاً حداً لسياسة الاستنجاد بالخارج.
إن هذا العرض الاستراتيجي يوضح كيف تحولت بادس وأراضيها الساحلية في ذهن "المولى أبو حسون / مولاي بوعصون" إلى عملة مقايضة سياسية.
فقبل أن يرتوي من وعود البرتغال، انتقل لاحقاً للاستنجاد بالعثمانيين، مما يؤكد أن لقب "ملك بادس" كان وصفاً لحالة التقوقع الجغرافي التي سبقت الانهيار النهائي للوطاسيين أمام الوحدة الوطنية الصاعدة.
المرجع التوثيقي للحلقة 25:
• الأرشيف: الأرشيف العام في سيمانكاس (AGS).
• المجلد (Legajo): 11161 (PTR, LEG, 11, 161).
• الأوراق (Folios): 1 و 2.
• الشخصية المحورية: أبو حسون الوطاسي (مولاي بوعصون - Muley Baaçón).









