فن وإعلام

السرد وحدود التخييليّ والواقعيّ قراءة في كتاب "التخييل والواقع" للناقد والمترجم مصطفى النحال

عائشة عمور (روائية وشاعرة وناقدة أدبية مغربية)

في كتابه الجديد، الصادر مؤخراً عن المركز الثقافي للكتاب، يتناول الناقد والمترجم مصطفى النحال مفاهيم سردية من منظور جديد، هو منظور ما بعد السرديات الكلاسيكية. وهذه المفاهيم هي: التخييل ومؤشراته، والواقع وإحالاته، والعوالم التخييلية الممكنة. يبيّن الناقد مصطفى النحال أنّ التخييل هو واحدٌ من المفاهيم التي يَعْتَقِدُ الجميع أنّهُم يعرفون ما هو. يقولون إنّ هناك محكيّاتٍ واقعيّةً من جهةٍ، ومحكيّات تخييليّة من جهة أخرى، وإذا كانت الأولى ترْوي وقائع حقيقية، فإنّ الثانيةَ تروي وقائع مُتخيَّلَة. الأولى تتولّى إخبارَنا بواقعيّة الأشياء، والثانية تجعلنا نحْلُمُ. غير أنّ مختلف هذه التمييزات والفروقات، ذات الطّابَع البديهيّ والمُطمْئِن بطبيعة الحال، سرعان ما بدأتْ تتلاشى وتتبدّد بكيفيّةٍ تدريجيّة، مع تنامي التفكير النظري في التخييل، وتزايُد عدد المُنخرِطين في هذا التفكير، منذ بداية الألفية الجديدة بالخصوص. ويضيف أنّه أصبح واضحاً، اليوم، أنّ التخييليَّ يوجد في المحكيات التي تَعتبرُ نفسَها واقعية، وأنّ الواقعيَّ لا يخلو منه أيّ تخييل. أَلَا تتّخذ المحكيّات التخييلية، في كثيرٍ من الأحيان، مظْهَرَ محكيّ واقعيّ قصْد إضْفاء مظهر الواقع على القصص المُتَخيَّلة التي ترويها؟ والمحكيّاتُ الواقعيّة، أَلَا تتحوّل، في كثير من الأحيان، إلى تخييلٍ من خلال حركةٍ لا إراديةٍ تدفع المرْء إلى اعتماد أسلوب المحكيات الروائية التي قرأها في كتاباته؟ أمّا الحدود الفاصلة بيْنهما، فإنّ إثباتَها بات أصْعَب بكثير. فلا نكاد ندري، اليوم، أيْن تبدأ العتبة الفاصلة بيْن نطاقِ التخييل ونطاق الواقع، ولا مَنْ يُحدّدُ هذه العَتبة.

لقد أصبحت فينومينولوجيا الأجناس السردية، اليوم، تضع على المحكّ يقينياتنا القديمة حول الجوهر الواقعيّ أو التخييلي للأجْناس الأدبية، وحول طبيعة التخييل نفسها (على غرار التخييل الذاتي والميتا-تخييل والتخييل الوثائقي والتخييل المترابط، الخ). ومن بين التساؤلات التي طرحها الكاتب: كيف يمكننا تفسير هذا الانتشار المقولاتي والاصطلاحي السردي الجديد؟ هل هو مجرّد ثرثرة اصطلاحية؟ هل هو علامة على تجدّدٍ في المُمارسات السردية ينْحُو نَحْو جعْل كلّ شيْء تخييلاً، ونَحْوَ إفْراغ لفْظة "تخييل" منْ معناها؟ أمْ أنّ التجديد الحالي للمقولات الوصفية للتخييل يعْكِسُ وجود تحوُّلٍ فعْليّ في الكيفيّة التي ننظر بها إلى طبيعة أجناس الخطاب ووظائفها وقِيَمها وغاياتها؟

وبالفعْل، كما يقول، فمنذ الانعطاف في الإبدال النّظري والمعرفي، الذي بدأ في سبعينيّات القرن الماضي، اشتدّت حدّة المناقشات والخلافات حول مدى قابلية الحدود بين الواقعيّ والتّخييليّ للاختراق والانتهاك. يكفي أنْ نسْتحضر، على سبيل المثال، ذلك الجدال القويّ الذي أثارَتْهُ رواية يانيك هاينَلْ، يانْ كارسكي، ورواية جوناثان ليتيل، المُتسامحات، وهو جدالٌ أعاد فتح النّقاش المَعْرفي المتعلّق بكتابة التاريخ وطبيعة المعرفة الأدبية، وأحيا، مرّةً أخرى، النّقاش حول السرد التاريخي، الذي قاده المؤرخ كارلو غينْزبورغْ ضدّ هايدن وايْتْ على وجه الخصوص. كما نستحضرُ، أيضًا، مُحاكَمات التحقق من صحّة الأحداث، التي طالتْ كُتّاب التّخييل الذاتي، وقضيّة كاميلْ لورانس/ ماري داريوسيك الشّهيرة، حين وجّهت لورانس تُهمة "السرقة النّفْسية" إلى داريوسيك، وأخيراً وليس آخراً قضيّة الروائيّ الجزائريّ كمال داود، المُتّهم بانتهاك الخُصوصية وسرقة قصّة روايته حوريّات، التي تتناول فترة العشْريّة السوداء بالجزائر، الفائزة بجائزة الغونْكور سنة 2024، وإصدار مُذكّرتيْ اعتقال دوليّتيْن في حقّه، الخ.

كلّ هذه الظواهر، وغيرها كثير، هي بمثابَة مؤشّر دالّ على الهشاشة المُقلقة التي باتتْ تعرفها الحُدود بين ما هو واقعيّ وما هو تخييليّ، وتأثير النصوص التخييلية على الواقع أو المَساس به. رُبّما من هُنا دلالة العودة القويّة اليوم إلى "الواقعية التخمينيّة"، التي بدأها في فرنسا كوينتينْ ميلاسو وأتباعه الأنجلوساكسونيون، وواقعية "الأشياء" لتريستان غارسيا، والواقعية "السياقية" لجوسلين بينوا وآخرين (ماركوس غابرييل، موريزيو فيراريسْ، جانْ بينيت، إلخ) والذين تشكّلوا، كما يقول عنْهم فيلسوف واقعيٌّ معاصِرٌ آخر باسكال إنْجيلْ، ضدّ الخوف من "خسارة العالم"، وكَردّ فعْلٍ على الانحراف المُحتمل، النّاتج عنْ مبدأ "كلّ شيء تخييليّ"، الذي يغْدو الواقع معه، كلّ الواقع، مجرّد بناءٍ اجتماعي وتخييل، بدءاً من بودريار ("حربُ الخليج لمْ تقع") إلى نيتشه ("لا توجد وقائع، هناك تأويلاتٌ فقط")، مروراً بجاكْ ديريدا أو جاكْ لاكانْ ("بِنْية الحقيقة تخييلٌ").

لكنْ، بالمُوازاة مع هذه المؤشّرات "السلبية"، في رهانِ استعمالِ التخييل ومُمارسَتِه، نَتَجَتْ عن الانعطاف في الإبدال النظري مؤشّراتٌ "إيجابية" تجسّدَتْ في إغناء البحث حول نظرية الخيال والتخييل والمتخيل، بمُقارباتٍ جديدة ومتنوّعة، انْطلقت بالأساس من المشْهد الأنْجلوساكسوني، لتنتشر، فيما بعد، في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، الخ. كما أنّ تطوّر نظرية العوالم الممكنة، منذ السّبعينيّات كذلك، وتطوّر العلوم المعرفية وانتشارها، قدْ ساهَما في ديناميّة هذا الإبْدال، الذي اتّسَمَ، بالخُصوص، بمحاولة تجاوُز ذلك التّعارُض الكلاسيكيّ بين الواقعيّ والتخييليّ، في اتّجاه آفاق البدائل والمُغايرات والتأويل.

ومن أجل تتبُّع هذا المشْهد النظري التخييلي، وتتبّع مختلف القضايا والإشكالات التي يُثيرها مصطفى النحال ويُحاول الإجابة عنها، اعتمدت دراسته على مُقاربةَ ملامح مفهوم التخييل وتضاريسه ومضامينه في بُعدها الزمني. وإذا كانت هذه الدراسة لا تزْعُمُ الإحاطة بكلّ هذه القضايا والإشكالات، فإنّها تسعى إلى التّدقيق في عدد من الأسئلة والمُقترحات النظرية والمُصطلحات والتعريفات، بهدف تقديم إجابات دقيقة، إلى حدّ ما، عنْ مفاهيم التخييل والمتخيل والخيال والواقع والوقائع والعوالم الممكنة والحدود الكائنة أو الممكنة بين التخييل والواقع، على اعتبار أنّ التخييلات، بمختلف تجلّياتها، هي صنْعات ثقافية بامتياز، تُنتجها المُخيلة وغير خاضعة لشُروط الصّدق والحقيقة، وغير إحالية بالأساس، إلّا أنّها تنْطوي، في غالب الأحيان، على قدرة إحاليّة كبيرة عن طريق ما يُطْلق عليه "الجُيوب الواقعية" في التخييل، والتي تُوسّعُ من نطاقِه أو تُقلّص منه بحسب الاستراتيجيّة النّظرية المُعتمَدَة. منْ هُنا أهمّيّة نظريّات التخييل، لأنّها تُوضّحُ وتُبْرزُ المعايير الحدْسية، التي ترتكزُ عليْها العديدُ من أحكامِ التخييليّة، في عدم تمييزها بين المفهوم واستعمالاته المتعددة والمُختلفة، وعدم تمييزها بين التخييل والتمثيل.

وفي هذا الصّدد، خصّص النحال الفصل الأوّل، من هذه الدراسَة، لمناقشة أبرزَ الإشكالات التي يطرحها مفهوم التخييل، إنْ على صعيد استعمالاته النّصية وغير النصيّة، أو على الصعيد النّظري. وهي إشكالاتٌ لا تعود فقط إلى الالتباس المفْهومي الأصليّ، بين النّظر إلى التخييل بصفته وهْماً وكذباً وتمويهاً (أفلاطون)، وبين النّظر إليه بصفته ابتداعاً واختلاقاً ومحاكاة (أرسطو)، وما ترتّبَ على هاتيْن النّظريتيْن عبْر التاريخ، بلْ تعودُ كذلك إلى تعدّد المُقاربات والتصوّرات بتعدّد زوايا النظر والمرجعيات المَعرفية والنظرية.    

بينما انصبّ الفصل الثاني على تحليل مفهوم التخييل منْ زاويتيْ الاستعمال والتنظير في الخطاب النقدي المعاصر، بتناوُل أبرز النظريات التي أسّست لهذا المفهوم، سواء بالنّظر إليه بصفته جوهراً (كيتْ هامبورغر ودوريت كُونْ وما بعدهما) أوْ بصفته تداوُلاً (جانْ سُورل وجان ماري شيفَرْ وما بعدهما)، أو بصفته معياراً للأدبية (جيرار جُنيت)، ما أدّى إلى استنباتِ معايير داخلية أحياناً، أو مرتبطة بأفعال الكلام، أو بالعمليات الثقافية المعرفية، كالتظاهُر والاختلاق اللّعِبي المشترَك، أو بالتأويل الزّمَني. بعد ذلك، ستسلّط الدراسة الضّوءَ على الامتدادات النظرية خلال العشرين سنة الأخيرة الماضية، والتي فتحت المُقارَبات التخييلية على استعمالاتٍ ومجالاتٍ وتصوّراتٍ أرْحَب، تنْدرج في سياقِ التخييل ما بعد الكلاسيكي.

أما الفصل الثالث، فقد انتقلَ فيه إلى الحديث عن حدود التخييل والواقع والعوالم (غير) الممكنة. ومن بين القضايا الجديدة التي تناولها بالتحليل، مسألة وجود حدود واضحة بين ما هو تخييليّ وما هو واقعيّ أو وقائعيّ. وفي هذا الشّأنِ، استعرضَ مختلف جوانب هذه الإشكالية التي أسالتْ مِداداً كثيراً. يتعلّقُ الأمْرُ بالتّعارُض بيْن أطروحتيْ وجود الحُدود وعدم وجودها وبالمُقاربات المُعتدلة، التي تَعتبر الحدود مُتداخلة ومتغيّرة. كما يتناول الفصْل إشكالية العَوالم الممكنة، وهل التخييلاتُ عوالمُ مُمْكِنة أمْ غيْر مُمْكنة أمْ مُوازية أمْ بَديلة أمْ تخييلية.

وفي الفصل الرابع، انتقلَت الدراسة إلى تناوُل مفهوم التخييل في امتداداته الزمنية بين السّرديِّ والتاريخيِّ. يتعلّق الامْرُ بمُقاربَة ثنائيّة التخييليّ والوقائعيّ من خلال منظور المَحْكِيّ التّاريخيّ، ومنْ خلال تجربتيْن أساسيتيْن في هذا المجال لكلّ من الأمريكي هايْدْن وايْتْ والفرنسي بول ريكور. إنّ أطروحة عدم التمييز بين النّصوص التخييليّة والنصوص التاريخية ليست مُفاجئة، فضْلاً عنْ أنّ ريكور وهايْدنْ يؤكّدان على عدم حصْر تحليلاتهما في حالاتٍ خاصّة، ولا حتّى في الأدب الواقعيّ.

وإذا كان معظم الباحثين والنقاد والمُهتمّين بالتخييل الأدبي يتحاشوْن أو يلتفّون على فكرة التّخييل في حدّ ذاتها، لصالح مفاهيم أكثر شُمولية، مثل الأدب أو السرد أو الفن، فإنّ دراسة مصطفى النحال تدخُلُ إلى جوْهر التخييل نفسِهِ وما أثاره ويُثيره من نقاشاتٍ تعلّقت، في مُجْملها، بالحُدُودِ بين ما هو تخييليّ وما هو واقعيّ ووقائعيّ، وبتحديد المؤشّرات الداخلية أو الخارجية للتخييل، وبطبيعة العوالم التي يولّدُها، وبعلاقات التخييل بمفاهيم المحاكاة والإحالة والتظاهر والاصطناع واللعب، وغيرها من الآثار البارزة والخفيّة التي يُخلّفها سِحْر التخييل القويّ.

ووعْياً منْه بتاريخيّة مفهوم التخييل، وإشكالياته المُعاصرة والمُقترَحات النظرية الجديدة المطروحة، فإنّ هذه الدراسة تهْدفُ إلى تسليط الضوء، كذلك، على مختلف القضايا والرّهانات المُرْتبطة بمحاولات تحديد التّخْييل ومكوّناته، وبوجود الحدود بينه وبيْن الواقع والوقائع، وبكيفيّات عُبُور مياه هذه الحدود المجازيّة. من الناحية التاريخية، ارتبطت الإرهاصاتُ الأولى لطَرْح مسألة الحدود بين التخييليّ والواقعيّ، في الغرب على الأقلّ، باللقاء الذي حصلَ في سبعينيّات القرْن الماضي، في السّياق العامّ للمنعطف اللساني، بيْن تخييل التاريخ وأرْخنَة التخييل. إنّ هذا اللقاء هو الذي أفْضى إلى الطّرح الثقافي والفكري لقضيّة وجود أو عدم وجود حدودٍ بيْن الواقعيّ والتخييليّ. وسواء تعلّق الأمر بمُساءلة أدوار التخييل أو وضعه المنطقي، أو استخداماته المختلفة، فإنّه شَكَّلَ دائماً، وما يزال، أحدَ حدَّيْ جدليّةٍ ممتدّة في الزمن، بين الأجناس الأدبية والاستدلالات الفلسفية والتأمّلات النظرية وتحليلات الأعمال الفردية، التي يبدو فيها إشكاليّا أو مستثمراً بطريقة مثيرة للاهتمام.