عندما ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية، لأول مرة، فكرة تصنيف ميليشيا البوليساريو في خانة المنظمات الإرهابية، لم يكن ذلك على يد أحد الإعلاميين أو الأدباء، أو أحد نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي من المؤثّرين، أو ما شابه ذلك، بل جاء ذكر ذلك التصنيف على أيدي مجموعة معتبَرة من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي، الكونغرس بقدّه وقديده !!
لابد أن نلاحظ هنا، أنّ ذلك ولابُدّ، تمّ مصحوباً باستعمال مكثَّف ووازن لروزنامة من الملفات والوثائق سبق تجميعها من مختلف مصادر الدراسات والأبحاث، السياسية والدبلوماسية والعسكرية والأمنية، ومن بينها على الخصوص، جهاز المخابرات المركزية الأمريكية "السي آي إي"...
ومن الطبيعي، بل البديهي، أن ذلك تم تدعيمه بتقارير وشهادات من عين المكان صادرة عن المخابرات المغربية، المشهود لها أمريكياً وعالمياً بعلوّ الكعب في كل ما يتصل بتتبع أنشطة الجماعات المتمردة، التي تصف نفسها بالتحررية والثورية، عندما يكون انتماؤها الإثني والثقافي، بشكل خاص، عربياً أو أمازيغياً وذا صلة بالوطن العربي، أو المسلم، أو الإفريقي !!
ندرك من هذا، أن الأمر ليس نتاجَ مجردِ ضربةِ مزاج، ولا خلاصة عملِ لوبيٍّ من اللوبيات المغربية الناشطة في شمال القارة عامةً، وفي الولايات المتحد بشكل خاص، بل هو تطوُّر تدريجي لملف ذلك التصنيف على مدار سنوات من التغلغل إلى أعماق العلاقات القائمة سرّاً وعلناً بين ميليشيا البوليساريو وصنّاعها الجزائريين من جهة، وقِوى أخرى معلومة ومعروفة بأنشطتها التخريبية في شتى بقاع هذا العالم البئيس، المُسمّى عربياً وإسلامياً، وأخص بالذكر هنا "دولة الملالي وخاميناي" في إيران، التي يعرف العالم برمته أنها تفنّنت على مدار عقود طويلة في زرع بذور الشقاق في منطقة الشرق الأوسط بكاملها، فأنشأت جماعة الحوثي في اليمن، ونظّمت وأطّرت تنظيمات شيعية في مختلف بلدان الخليج العربي، لتكون لها سنداً داخل تلك البلدان عند الحاجة، وزرعت حركة حماس في فلسطين، وحزب "اللات" في لبنان والعراق، وجماعة النُّصرة في سوريا، بل تمكنت من تأسيس جماعة بوكوحرام في نيجيريا، حتى لا تسلم قارة إفريقيا هي الأخرى من ذلك الهَوَس الموروث عن آية الله الخميني، القاضي "بتصدير الثورة" إلى كل بقاع العالم بلا استثناء، فضلا عن أذرع أخرى لنفس الأخطبوط الإيراني التشيُّعي في ليبيا وتونس والجزائر... حتى بدا للدارسين والباحثين أن إيران لم تترك مكاناً في العالم الثالث إلا دخلته خُفْيَةً عن طريق تلك الأذرع، وإن كان ذلك في حقيقته ظاهراً وفاضحاً أمام الملأ، بحيث لم تَغِب حقيقتُه إلاّ عن أذهان الجاحدين والمسطولين !!
هذا التمدد الإيراني بالذات، هو الذي أسبغ على أنشطة ميليشيا البوليساريو طابعاً إستراتيجياً لسببين اثنين على الأقل:
الأول: لأن تلك الميليشيا مؤطّرة ومسلحة ومدرَّبة بشكل مباشر ولصيق من لدن دولة يحكمها نظام عسكري ما زال يفكر ويتصرّف بعقلية الحرب الباردة، وبالتالي، ما زال يقدم نفسه كعدو لليبرالية أينما حلت وارتحلت... نظام يمنح لنفسه الحق في انتقاد روسيا والصين، بعظمة قدرهما عالمياً، عندما يصدر عنهما ما يمكن تفسيره أو وصفه بالتقارب مع الولايات المتحدة وحلفائها الليبراليين، وكأن ذلك النظام الكابراناتي نصّب نفسَه حارساً على أختام "البلشفية الروسية" و"الماوتسية الصينية"، بينما هو نفسه لا يملك ولو قيد شعرة من قراره وحريته في اتخاذ أي قرار خارج رحِم أمه البيولوجية، فرنسا الجمهورية الخامسة، التي ما زال مرتبطا معها بحبل سرّي يحمل اسم "اتفاقية إيفيان"، التي ظلت طوال نحو أربعٍ وستين سنةً تربطها بأغلال استفتاء هجينٍ وصوريٍّ لتقرير المصير، لم يمنحها استقلالها السياسي ولا الاقتصادي ولا حتى الدبلوماسي إلى غاية يومه، رغم تمثيليات الخصام والتنافر التي يلعبها الطرفان الجزائري والفرنسي أمام أعيننا بين الحين والآخر !!
والسبب الثاني، الإستراتيجي بدوره، في موضوع هذا التصنيف الأمريكي لجبهة البوليساريو ضمن خانة الجماعات الإرهابية، يبدو لنا الساعةَ أكثر جلاءً لأن الوقت قد حان، الآن بالذات، لجعل ذلك التصنيف في محط التنفيذ الفوري، بالنظر لما يدور راهناً من معارك دامية شرسة، في إيران والخليج ومضيق هُرمز وباقي جفرافيا المنطقة، تكاد تتحول بين عشيةٍ وضحاها إلى حرب كونية ثالثة، أو قد بدأت تكتسي هذه الصفة بالفعل، وخاصة بعد ما أبدته إيران من صمود مذهل بعد الضربات غير المسبوقة التي تلقتها من الجانبين الأمريكي والإسرائيلي، وخاصة بعد استطاعتها تحريك أذرعها المسلحة من جديد، من مقاتلي حزب "اللات" بلبنان لضرب العمق الإسرائلي، وتحريك قوات الحوثي باليمن لضرب مضيق هرمز والبوارج الحربية الأمريكية والإسرائيلية القريبة من سواحلها بعرض المتوسط، مع العلم بأن السلوك الإيراني تجاه البوليساريو تحديداً يتطابق في أسلوبه وتطوُّر مراحله مع ما درج النظام الإيراني على انتهاجه مع كل الجماعات والتنظيمات المسلحة التي حوّلها بدون كثير عناء إلى أذرع تخدمه، وتتفانى في خدمته، كما حدث في غزة بفلسطين وفي جنوب لبنان وفي سوريا والعراق واليمن... والآن في الجزائر!!
معنى هذا، أننا لن نكون مُغالين إذا نحن اعتبرنا ميليشيا البوليساريو ذراعاً إيرانياً بكل دلالات الكلمة، والدليل على ذلك، ما سمعناه وسمعه العالم من حولنا، بخصوص تمرد تلك الميليشيا على صانعيها، العساكر العجزة الآخذين بزمام السلطة في جارتنا الشرقية، وهو تمرد غير مسبوق، ولابد أن تكون له صلة بشكل أو بآخر مع توجهات السياسة الخارجية الإيرانية!!
الأمر إذن يستحق صفتَه "الإستراتيجية" بالنظر لكل ما سلف ذكره، وبالنظر كذلك للطابع "الإستراتيجي" الأكيد لمنطقتنا المغاربية، التي تنشط فيها تلك الميليشيا بالتعاون سرّا وجهراً مع فلول الجماعات الإرهابية الرابضة بصحارى بلدان الساحل الإفريقي' في انتظار إشارات أمها بالتبني، إيران.. عجبي !!!






