يكشف الأرشيف العام في سيمانكاس (AGS)، وتحديداً في المجلد رقم 36 من قسم "الحرب والبحرية" (GYM, LEG, 36)، عن كواليس درامية سبقت السقوط النهائي للدولة الوطاسية، حيث ترسم الأوراق رقم 177 ورقم 48 مساراً زمنياً دقيقاً لرحلة التيه واللجوء التي عاشها "أبو حسون" (مولاي بوعصون) قبل توقيعه لاتفاق مالقة الشهير. تبدأ فصول هذه المحنة في ربيع عام 1549، وتحديداً من ثغر جبل طارق، حيث رصد القادة العسكريون الإسبان بدايات الانهيار الوشيك للجبهة الوطاسية أمام الزحف السعدي، وهو ما وثقته الورقة رقم 177 (Folio 177) بنصها الإسباني قائلة: "Bien creo q[ue] por carta de Francisco Verdugo se ha sabido a lo que / Muley Bohazon se levantó y los de Velez estan armados en Velez para / el rrey de velez huyo a melilla porq[ue] el alcaide del peñon se alcanzo y para / este año para q[ue] vuestra alteza viera por la carta q[ue] escribio a vuestra alteza / lo que aqui pudiera dezir hago punto con suplicار a vuestra alteزة que se abre[ve] / lo que toca a la fortificacion de esta ciudad pues esta en gran... / y importa mucho . nuestro señor la muy yllustre persona y estado de vuestra alteza guardه / y prospere de Gibraltar en primero de abril de 1549 años" وترجمته هي: (أعتقد جازماً أنه من خلال رسالة "فرانشيسكو فيردوجو" قد عُلم ما جرى، حيث ثار المولى بوعصون وأهل بادس مسلحون في بادس... إن ملك بادس قد هرب إلى مليلية لأن حاكم "المنارة" [Peñón] قد أدركه... ولكي يرى سموكم من خلال الرسالة التي كتبها لسموكم ما يمكنني قوله هنا، فإني أركز على التوسل لسموكم بالإسراع في تحصين هذه المدينة [جبل طارق] لأن الأمر في غاية الأهمية... حفظ الله شخصكم الجليل ومملكتكم. كُتب في جبل طارق في الأول من أبريل 1549). وتتأكد المصداقية الرسمية والادارية لهذه المراسلة بما ورد في ظهرها (الظهر - Folio 177v) الذي نص على: "Al yllre s. m. b[az]quez de molina secretario de v[uest]ra alteza y de su cons[ej]o / A s[us] altezas / de Gibraltar / pº d'abryl 1549 / sobre lo de Velez" وترجمته هي: (إلى السيد الجليل "باثكيث دي مولينا" سكرتير سموكم وعضو مجلسكم / إلى أصحاب السمو / من جبل طارق / فاتح أبريل 1549 / بخصوص قضية بادس).
وتستمر فصول هذه التبعية والارتهان لتصل إلى ذروتها في صيف العام نفسه، حيث يظهر تقرير استخباراتي آخر مرسل من مالقة في شهر يوليو، مُسجلاً في الورقة رقم 48 (Folio 48)، ليؤكد تحول لجوء بوعصون إلى واقع سياسي مرير تسبب في انفضاض الرعية من حوله وانحيازهم للمشروع السعدي الصاعد، وجاء نص الوثيقة كالتالي: "Muy altos y muy poderosos señores / teniendo despachado este correo llego una fragata de melilla . y trae las cartas para vuestra alteza que van con esta . / . el rrey de velez nos escrive su venida huyendo a melilla en muy breves palabras y que supliquemos a vuestra alteza . q[ue] mande obrar por el . y paresce q[ue] en otra qualquier parte estara mejor q[ue] en melilla / al duque de medina damos aviso dello demas delo que sus criados le escriven el tiene la quexa de su daño que pues vio que muchos vasallos del rrey de fez se avian pasado al xarife . lo mismo devia se pensar delos otros mayor mente . seyendo gente baxa . como lo son . y pudiera se aver rremediado con aver se metيدو في el peñon con los xpianos [cristianos] q[ue] temia cautivos y dar aviso con uno de los bergantines q[ue] alli estavan . vuestra alteza mande proveer lo que fuere servido . nuestro señor las muy yllustres [ilustres] y muy poderosas personas y estados de vuestras altezas في su santo servicio . / de málaga a ocho de julio 1549 . / A los muy altos y muy poderosos señores el principe Maximiliano y princesa doña Maria rreyes en Magestad Gobernadores de estos reynos"
وترجمته هي:
(أيها الأسياد عاليو المقام والأقوياء جداً:
بينما كان هذا البريد يهم بالمغادرة، وصلت فرقاتة من مليلية تحمل رسائل لسموكم مُرفقة بهذا الكتاب. يكتب إلينا ملك بادس [أبو حسون] عن وصوله فاراً إلى مليلية في كلمات وجيزة للغاية، ويترجى من سموكم أن تأمروا بالتحرك لصالحه، ويبدو أنه سيكون في وضع أفضل في أي مكان آخر غير مليلية.
لقد أخطرنا دوق "مدينة سيدونيا" بذلك...
إنه يشكو من الضرر الذي لحق به، بعد أن رأى أن الكثير من رعايا ملك فاس قد انحازوا وانضموا إلى "الشريف" [محمد الشيخ السعدي]، وكان ينبغي توقع الشيء نفسه من الآخرين بصفة عامة... وكان بإمكانه تدارك الأمر لو لجأ إلى "الحصن" مع المسيحيين الذين كان يخشى وقوعهم في الأسر...
ليتفضل سموكم بالأمر بما يراه مناسباً لخدمتكم.
حفظ الله أشخاصكم الجليلة والقوية وممالككم في خدمته المقدسة.
كُتب في مالقة، في الثامن من يوليو 1549. / إلى الأسياد عاليو المقام والأقوياء جداً: الأمير ماكسيميليان والأميرة دونيا ماريا، الملكان بجلالتهما وحكام هذه الممالك).
إن هذا السرد الكرونولوجي لممتد من أبريل إلى يوليو 1549، والمعزز بمراسلات رسمية وجهت مباشرة إلى السكرتير الملكي "باثكيث دي مولينا"، يبرهن على أن سقوط الدولة الوطاسية كان نتيجة احتضار سياسي وأخلاقي استمر شهوراً طويلة من اللجوء في الثغور المحتلة. فبينما كان أبو حسون الوطاسي يتنقل بين مليلية وجبل طارق ومالقة مستجدياً الحماية الأجنبية وخائفاً من الأسر، كانت القواعد الشعبية المغربية قد حسمت خيارها التاريخي بالالتفاف حول السلطان محمد الشيخ السعدي الذي مثل مشروع الوحدة والمقاومة.
لقد كشفت هذه الوثائق عن "عقدة النقص" التي جعلت من آخر ملوك الوطاسيين يقدم السيادة المغربية قرباناً على مذبح المصالح الإسبانية والبرتغالية مقابل أوهام استعادة العرش، لتظل هذه الأوراق شاهدة على أن الشرعية لا تُستجدى من بلاطات مدريد أو لشبونة، بل تُنتزع بالالتحام مع إرادة الأمة والقبائل، وهو الدرس الذي مهد الطريق لتأسيس الدولة السعدية وتوحيد البلاد تحت راية وطنية واحدة.
المرجعية التوثيقيّة.
▪️الأرشيف: الأرشيف العام في سيمانكاس (AGS).
▪️القسم: الحرب والبحرية (Guerra y Marina - GYM).
▪️المجلد: (Legajo 36 / GYM-LEG,0036).
▪️الأوراق: (Folio 177, 177v & Folio 48).
▪️الفترة الزمنية: أبريل - يوليو 1549م.






