سياسة واقتصاد

ماذا تبقى لليساريين المغاربة لم يتهموا به بعضهم؟

إبراهيم حيمي (تدوينة)

في مشهد يكاد يختصر مأزق اليسار المغربي بأكمله، تتحول ندوة تقديم “أرضية فكرية وسياسية” إلى منصة لتبادل الاتهامات، وليس لتجديد الأفكار. تيار يعلن، بكل ثقة، أنه “جزء لا يتجزأ” من الحزب، وفي الآن نفسه يطعن في “قيادته الفاشلة”، وكأننا أمام حالة فريدة من الانتماء المشروط: انتماء بالجسد، ومعارضة باللسان، وصراع في الكواليس.

والأدهى من ذلك، أن خطاب “لسنا في موقع الانشقاق” يأتي مرفوقاً بتصريحات ثقيلة من قبيل الحديث عن اختلالات مالية بملايين السنتيمات. هنا لا يعود السؤال: هل هناك انشقاق؟ بل: ما الذي تبقى أصلاً من وحدة مفترضة؟ لأن الانشقاق الحقيقي لا يُعلن بالبيانات، بل يُمارس بالاتهامات العلنية التي تنسف ما تبقى من الثقة التنظيمية والسياسية. المفارقة المؤلمة أن هذا الصراع لا يدور حول مشروع مجتمعي أو تصور فكري متباين بقدر ما يتمحور حول من يمتلك “شرعية الحديث باسم اليسار”. وكأن المعركة لم تعد من أجل تغيير الواقع، بل من أجل احتكار صفة “التقدمي” داخل فضاء ضيق يضيق أكثر فأكثر على أصحابه. قبيل استحقاقات انتخابية لا تفصلنا عنها سوى أشهر، يبدو الحزب وكأنه يخوض معركة ضد نفسه بدل أن يخوضها ضد خصومه. فكيف يمكن لإطار سياسي لم يحسم خلافاته الداخلية، ولم ينجح حتى في تدبير اختلافاته، أن يقنع المواطن بقدرته على تدبير الشأن العام؟ وكيف لمناضلين يتبادلون تهم “الفساد” و”الفشل” أن يطلبوا ثقة ناخب أنهكته أصلاً خيبات الامل السياسة؟ إن أخطر ما في هذا المشهد ليس فقط التصدع التنظيمي، بل ذلك الميل السهل لتفسير كل شيء بـ”المؤامرة”. فبدل مساءلة الذات، يتم استدعاء شماعة جاهزة تُعلّق عليها كل الأعطاب. وهنا يفقد اليسار أحد أهم شروط وجوده: النقد الذاتي الصارم. في النهاية، يبدو أن السؤال لم يعد: من على حق داخل هذا الصراع؟ بل: هل بقي شيء من المعنى السياسي لليسار أصلاً، حين تتحول معاركة إلى نزاعات داخلية تُدار بنفس الأدوات التي طالما انتقدها؟ ربما لم يعد ينقص اليساريين المغاربة أن يتهموا بعضهم بشيء جديد… فقد استُهلكت كل التهم، وبقي الفراغ سيد الموقف.