فن وإعلام

اعتراف صريح بوحدة "الإمبراطورية الشريفة" ومغربية وادي الذهب والريف وصفقة 1904 في الأرشيف الفرنسي ( الحلقة 28)

أحمد الدافري (إعلامي)

تفتح لنا الصفحتان 13 و14 من مؤلف الصحفي والباحث الفرنسي بيير فونتين (Pierre Fontaine)، الصادر بباريس عام 1958 تحت عنوانه الأصلي: "ABD-EL-KRIM : Origine de la rébellion nord-africaine" (عبد الكريم: أصل التمرد في شمال أفريقيا)، فصلاً استثنائياً يوثق كيف كان المستعمر نفسه يقر بوحدة التراب المغربي وهو يخطط لتمزيقه. ترصد هذه الوثيقة خلفيات "دبلوماسية المقايضة" التي جعلت من أراضي المملكة موضوعاً لصفقات دولية كبرى.

وتبرز الوثيقة في الصفحة 13 من كتاب "ABD-EL-KRIM" معطىً سيادياً بالغ الأهمية؛ حيث يقر المؤلف بأن المصالح الاستعمارية للقوى الأوروبية كانت مرتبطة بشكل لا يقبل الفصل داخل كيان واحد وموحد سماه صراحة: "الإمبراطورية الشريفة" (L'Empire chérifien). 

هذا المصطلح يؤكد أن الاستهداف الاستعماري كان يوجه لكتلة سيادية موحدة لا تقبل التجزئة في الوعي الدولي والقانوني آنذاك.

وقد جاء في النص التوثيقي الوارد في الصفحة 14 ما يلي:

"L'Angleterre, moyennant les mains libres en Égypte, ferma les yeux sur l'accord franco-espagnol du 3 أكتوبر 1904, par lequel l'Espagne reçut le Riff, le Rio de Oro et l'Ifni marocains."

وترجمتها: 

(إن إنجلترا، مقابل إطلاق يدها في مصر، غضت الطرف عن الاتفاق الفرنسي-الإسباني المؤرخ في 3 أكتوبر 1904، الذي بموجبه تسلمت إسبانيا أقاليم الريف، ووادي الذهب، وإيفني المغربية).

وتكمن القوة القانونية لهذه الوثيقة في استخدام المؤلف لصفة "المغربية" (marocains) كنعت جمعي يطبق على الأقاليم الثلاثة؛ فالريف في الشمال، ووادي الذهب وإيفني في الجنوب، كلها وصفت بـ "المغربية" في جملة واحدة داخل متن الكتاب. هذا الاعتراف الصادر من قلب باريس يثبت أن "وادي الذهب" لم يكن يوماً أرضاً بلا صاحب، بل كان جزءاً أصيلاً من "الإمبراطورية الشريفة" باعتراف القوى التي كانت تتفاوض على احتلالها وتوزيعها كمناطق نفوذ.

 تجدر الإشارة إلى أن هذه "المقايضات" لم تمر دون إثارة حفيظة القوى الدولية الأخرى، وعلى رأسها الإمبراطورية الألمانية.

 فقد كانت ألمانيا، في عهد الإمبراطور غليوم الثاني (Guillaume II)، تنظر بعين الريبة والرفض التام لهذا التفاهم الثلاثي (الفرنسي-البريطاني-الإسباني).

 ومن منظور "السياسة العالمية" التي انتهجتها ألمانيا، اعتبرت هذه الأخيرة أن انفراد فرنسا بالمغرب بناءً على اتفاقات ثنائية سرية هو خرق سافر لـ "اتفاقية مدريد 1880" التي تضمن المساواة التجارية لجميع القوى.

لقد رأت الدبلوماسية الألمانية، تحت توجيه المستشار فون بيلوف (von Bülow)، أن تجاهل ألمانيا في تسوية الملف المغربي هو إهانة لمكانتها كقوة عظمى. لذا، بدأت في التحضير لرد فعل حاسم يرتكز على مبدأ "استقلال السلطان" و"وحدة أراضي الإمبراطورية الشريفة"، ليس حباً في المغرب، بل لكسر طوق العزلة الذي حاولت فرنسا فرضه عليها ولإثبات أن أي قرار يخص السيادة المغربية يجب أن يمر عبر طاولة دولية لا عبر صفقات ثنائية.

إن هذا الغليان الدبلوماسي الألماني هو الذي مهد الطريق لما سيشهده العالم في مارس 1905، حينما سيقرر الإمبراطور غليوم الثاني النزول شخصياً في طنجة، متحدياً "الصالون الفرنسي المرتب"، ومعلناً للعالم أن المغرب بلد ذو سيادة لا يقبل القسمة بين الحلفاء.

ما يمكن استخلاصه من لغة الأرشيف في كتاب "ABD-EL-KRIM" هو أن ما تسلمته إسبانيا في 1904 لم تكن أراضٍ "خلاء"، بل كانت أقاليم مغربية الهوية والسيادة.

 وهذا الاعتراف الفرنسي بمغربية "وادي الذهب" والريف، مقروناً بالرفض الألماني للمقايضة، يعزز اليوم الحجة التاريخية والقانونية للمملكة في مغربية أقاليمها، ويظهر كيف كان المغرب محوراً لصراع إرادات دولية اعترفت جميعها، ضمناً أو صراحة، بوجود دولة محورية ذات عمق تاريخي هي "الإمبراطورية الشريفة".


المرجع التوثيقي:

• المصدر: كتاب "ABD-EL-KRIM : Origine de la rébellion nord-africaine" (عبد الكريم: أصل التمرد في شمال أفريقيا).

• المؤلف: بيير فونتين (Pierre Fontaine).

• مكان وتاريخ الصدور: باريس، 1958م.