تُشكل دراسة حضور الزليج المغربي في التراث المعماري لشبه الجزيرة الإيبيرية فصلا محوريا في تاريخ الفنون الإسلامية، حيث لم يقتصر هذا الفن على كونه عنصرا زخرفيا وافدا على الأنداس، بل كان تجسيداً لـ "نظام عمل إسلامي" متكامل الأركان، انتقل بآلياته وتقنياته الهندسية من حواضر المغرب الكبرى نحو الأندلس ليصيغ هويتها البصرية.
ويبدأ هذا الحضور الفاعل والموثق منذ القرن الثاني عشر الميلادي خلال العصر الموحدي، حيث تشهد الواجهات الخارجية لمآذن مراكش في الكتبية والقصبة على الإرهاصات الأولى لتقنية "الزليج"، قبل أن تصل هذه الصناعة إلى ذروة نضجها الفني مع المدرسة المرينية في فاس خلال القرن الرابع عشر، وهي الفترة التي شهدت تماهياً تقنياً وفنياً كاملاً مع ما نراه في المعالم الكبرى إبان الحكم الناصري الإسلامي في غرناطة، ولاسيما في صرح قصر الحمراء.
ويتيح لنا البحث الرصين في الوثائق العلمية المودعة لدى المستودع الرقمي للمجلس الأعلى للبحوث العلمية في إسبانيا، المعروف اختصاراً بـ Digital.CSIC، التعرف بدقة على عمق هذا الحضور المغربي من خلال دراسات تخصصية رصينة تتناول الخزف في ظل الحكم الناصري، وتعتبر هذه المنصة الأكاديمية التابعة لأعلى هيئة بحثية حكومية في إسبانيا مرجعاً حاسماً، خاصة عند اقترانها بالبيانات الوثائقية الواردة في كتالوج معرض مثلث الأندلس (EXPOSICIÓN TRIÁNGULO DE AL-ANDALUS CATALOGO)، والذي يهدف إلى تقديم جرد أثري وتحليل فني دقيق للمكتشفات الخزفية، مع ربطها بسياقاتها التاريخية والجغرافية التي تتجاوز حدود الأندلس لتتصل بجذورها المغاربية الأصيلة.
وظيفة هذا المرجع الأكاديمي، المعزز ببيانات كتالوج معرض مثلث الأندلس، تتجاوز الوصف الجمالي للقطع، لتلعب دور الجسر التوثيقي الذي يربط بين المادة الأثرية في إسبانيا وبين أصولها التقنية في المغرب، مستندا في ذلك إلى تحليلات فيزيائية وفنية لطرق التقطيع والألوان والتركيبات الهندسية، حيث يهدف البحث المنشور عبر هذه المؤسسة المرموقة إلى إثبات الاستمرارية الفنية بين العصور الموحدية والمرينية وفترة الحكم الناصري الإسلامي، مؤكدا أن المعايير الجمالية التي اعتمدتها العمارة الأندلسية والمدجنة استندت بشكل جوهري إلى القواعد الرياضية والتقنية التي صاغها "المعلمون" المغاربة في ورشات فاس ومراكش، ومن هنا يصبح الاعتماد على هذه المادة العلمية الموثقة ضرورة لإعادة قراءة التراث المعماري الإيبيري بوصفه امتداداً طبيعياً للمدرسة المغربية التي حافظت على جوهر هذا الفن وأصالته عبر القرون.
وتدعم هذه الرؤية الوثيقة الأولى (انظر الصورة الأولى) وهي وثيقة تاريخية تتضمن نصاً مكتوباً بالإسبانية تحت صورة قطعة الزليج الفاسي من دار سويقة الذبان، تحتوي على معلومات دقيقة تربط الزليج بالمغرب وبفترة الموحدين والمرينيين بشكل صريح، حيث يقول النص حرفياً إن أقدم الشواهد المعروفة لهذا الزخرف الزليجي في المغرب هي الواجهات الخارجية لمآذن الكتبية ومسجد القصبة بمراكش، واللذان يعودان للنصف الثاني من القرن الثاني عشر، كما يستخدم المرجع مصطلح "zallij" بالحروف اللاتينية لتعريف هذه التقنية بوصفها نوعاً من الترصيع المنفذ بخزف متعدد الألوان، مع التأكيد على أن هذه التقنية هي أساساً نفس التقنية المستخدمة في قصر الحمراء، وهو اعتراف صريح بوحدة الأصل.
التعليق الموجود على الصورة/الوثيقة الأولى هو :
"Fragmento de revestimiento mural
DAR 'SWIQET AL-DABBAN', FEZ
FINALES SIGLO XIII-PRINCIPIOS SIGLO XIV
Medidas: A. 97 cm; L. 47 cm
Museo de las Artes y Tradiciones, Dàr Bathà' (Fez)
Nº Inv.: C8"
ترجمته هي:
"قطعة من كسوة حائطية دار 'سويقة الذبان'، فاس
نهاية القرن الثالث عشر - بداية القرن الرابع عشر
المقاييس: الارتفاع 97 سم؛ العرض 47 سم
متحف الفنون والتقاليد، دار البطحاء (فاس)
رقم الجرد: C8".
النص الإسباني في الصورة/الوثيقة الثانية المرتبط بالقطعة رقم 5) هو :
"La inscripción, que se acompaña de un ataurique muy profuso, porta la siguiente eulogia: الحمد لله على نعمة [...]. 'Alabado sea Dios por (sus) favores [...]'."
وترجمته هي:
"تحمل هذه الكتابة، المحاطة بزخرفة التوريق (أرابيسك) كثيفة جداً، عبارة الثناء التالية: 'الحمد لله على نعمة [...]'."
النص الإسباني (المرتبطة بالقطعة رقم 6):
النص باللغة الإسبانية:
"La inscripción que porta, rodeada nuevamente de motivos vegetales varios, contiene el siguiente breve mensaje: لي بربي العباد [...]. 'Para mi, con el dios de los adoradores [...]'."
ترجمته هي:
"تحتوي الكتابة التي تحملها هذه القطعة، والمحاطة بدورها بزخارف نباتية متنوعة، على الرسالة الوجيزة التالية: 'لي بربي العباد [...]'."
القطعة الهندسية (رقم 7) في الصورة الثانية مكتوب تحتها باللغة الإسبانية:
"Este fragmento de decoración mural (nº 7), originario también de la Madraza Bū 'Ināniyya de Fez y con la misma cronología aproximada que la pieza anterior, es un testimonio bastante evidente de los que significa la aplicación de la desnuda geometría a la decoración arquitectónica. Despliega trenzados de rombos que dibujan una densa trama de una intensa y viva policromía de lacería de hermosa factura."
ترجمته هي:
"هذه القطعة من الزخرفة الحائطية (رقم 7)، والتي تعود أصولها أيضاً إلى المدرسة البوعنانية بفاس ولها نفس التسلسل الزمني التقريبي للقطعة السابقة، هي شهادة واضحة تماماً عما يعنيه تطبيق الهندسة المجردة في الزخرفة المعمارية. فهي تعرض جدائل من المعينات التي ترسم شبكة كثيفة من التعدد اللوني المكثف والحيوي لتشابكات هندسية (Lacería) متقنة الصنع".
وعند وضع هذه المعطيات في ميزان المقارنة التاريخية، تبرز الأسبقية الزمنية القاطعة لمراكش الموحدية على كافة المراكز الأخرى في المنطقة، بما في ذلك قصر المشور بتلمسان؛ فرغم أن للموحدين فضلاً أساسياً في وضع اللبنات الأولى وتشييد أسوار تلمسان وقصورها حين كانت تابعة لنفوذهم الإمبراطوري في القرن الثاني عشر، إلا أن الاستقلال السياسي لتلمسان ونشوء الدولة الزيانية لم يبدأ إلا في منتصف القرن الثالث عشر (1248م)، بل إن الزخارف القصرية والفسيفساء التي تُرخي بظلالها على "أسطورة" الأسبقية هناك تعود في أصلها لفترة السلطان أبي حمو موسى الثاني في القرن الرابع عشر (1359م). وهذا الفارق الزمني يثبت بالأرقام والوثائق الأركيولوجية أن إرهاصات الزليج المقطع في مآذن مراكش سبقت أي أثر فني قصرِي في تلمسان بقرابة قرنين من الزمان، مما يؤكد أن المنبع الأصلي والأقدم نشأ في المغرب الأقصى قبل أن ينتقل محاكاةً وتأثراً إلى الأقاليم الأخرى.
ويستمر هذا التأصيل التاريخي ليوضح أن المرينيين هم من أعطوا الدفعة الكبرى لهذه التقنية خاصة في المدارس والبيوت والمساجد، وهو ما يجعل من هذه الوثيقة دليلاً على الأقدمية التاريخية في مراكش الموحدية، ودليلاً على التسمية العربية الأصيلة لمصطلح الزليج في المراجع الإسبانية، فضلا عن كونها دليلا على الوحدة الفنية والتقنية مع قصر الحمراء.
وتأتي الوثيقة الثانية (انظر الصورة الثانية) المتعلقة بالمدرسة المرينية في فاس لتكمل هذه الحجة المادية، منتقلة بالبحث نحو التوثيق الفني الدقيق لقطع المدرسة البوعنانية التي تعود للقرن الرابع عشر، وهو القرن الذي شهد بناء القصور الكبرى في غرناطة وإشبيلية، مما يثبت أن فاس كانت المركز الحضاري المزود لهذه المشاريع بالتقنيات.
وتصف النصوص الإسبانية هذه النماذج الفاسية بأنها شهادة واضحة تماماً على تطبيق الهندسة المجردة في الزخرفة المعمارية حيث يصف النص القطعة الموجودة في أسفل الصورة بأنها:
"...testimonio bastante evidente de lo que significa la aplicación de la desnuda geometría a la decoración arquitectónica."
وترجمتها:
"...شهادة واضحة تماماً عما يعنيه تطبيق الهندسة المجردة في الزخرفة المعمارية."
ثم يضيف النص وصفاً دقيقاً للتشابك الهندسي بقوله:
"...trenzados de rombos que dibujan una densa trama de una intensa y viva policromía de lacería de hermosa factura."
وترجمتها:
"...جدائل من المعينات (مربعات مائلة) ترسم شبكة كثيفة من تعدد لوني مكثف وحيوي لـ تشابكات هندسية (Lacería) متقنة الصنع."
كما تشير هذه الوثيقة إلى حضور الخط العربي في صلب هذه القطع الخزفية، مما يثبت أن الزليج كان حاملاً للهوية الثقافية واللغة العربية التي انتقلت لاحقاً إلى فن المدجنين في القصور المسيحية. وتخلص هذه المعطيات بمجملها إلى أن البداية الموحدية في مراكش وصلت إلى ذروة نضجها في فاس المرينية، لتشكل "نظام عمل" اعترفت به الوثائق الفنية الإسبانية وكتالوجات معرض مثلث الأندلس كمرجعية أساسية صِيغت قواعدها في المغرب قبل أن تُطبق في الأندلس وإيبيريا.
ويعزز هذا المسار التوثيقي ما تشير إليه الدراسات التقنية من أن صناعة الألواح الخزفية المقطعة في غرناطة اتبعت بدقة نفس الأسلوب المورفولوجي والرياضي الذي ساد في فاس ومراكش؛ حيث يحلل الباحث كيفية تقطيع القطع الصغيرة لتشكيل "اللازو" (Lazo)، مؤكداً تطابقها تقنياً مع النماذج المرينية، مما يثبت أن "المعلمين" الذين نفذوا زليج قصر الحمراء كانوا يعملون وفق "نظام العمل المغربي" الأصيل. كما توضح الدراسة أن الألوان المستخدمة في الخزف في عهد الحكم الناصري الإسلامي، ولاسيما الأخضر النحاسي والعسلي والأبيض الذي يميل إلى الأصفر، هي ذاتها التركيبات الكيميائية والجمالية التي ميزت زليج المدارس المرينية، مما يعد دليلاً تقنياً على انتقال "الوصفات السرية" لهذه الصناعة من مراكز الإنتاج الكبرى في المغرب، وتحديداً من فاس، نحو ورشات غرناطة. ويؤكد التحليل الفني أن الزخرفة الهندسية المعقدة في الخزف الناصري تعتمد على شبكات إيقاعية (rítmicas) تماثل تماماً تلك الموجودة في المدرسة البوعنانية (انظر الصورة الثانية)، وهو ما يقود إلى الإقرار بأن هذه الهندسة المجردة وصلت إلى الأندلس في أوج نضجها الذي تشكل تاريخياً في الحواضر المغربية، ليؤكد التحليل التقني الوارد في دراسات المجلس الأعلى للبحوث العلمية بإسبانيا (CSIC) هذا التماهي عبر الدراسات المخبرية التي كشفت عن وحدة قاطعة في تركيب الألوان وتقنيات تقطيع "الأليكاتادو"، مما يثبت أن هذا التطابق المادي يعكس انتقال بروتوكول صناعي مغربي متكامل، يجعل من فن الزليج الأندلسي ثمرة مباشرة للنضج التقني الذي تحقق تاريخياً في المغرب.
وهذا ما كان.








