تشهد الأقاليم الجنوبية للمملكة، ولاسيما مدينة العيون، موجة غلاء غير مسبوقة طالت أسعار لحوم الإبل، التي تعد ركيزة أساسية في النظام الغذائي والموروث الثقافي المحلي.
ودفع هذا الارتفاع المفاجئ بنشطاء ومؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي إلى إطلاق حملة مقاطعة واسعة تحت شعار "خليها تعيد"، كخطوة احتجاجية تهدف إلى الضغط على المتدخلين في السوق لإعادة النظر في الأثمنة التي بلغت مستويات قياسية، تزامناً مع اقتراب شعيرة عيد الأضحى، مما ضاعف من حالة التذمر الشعبي جراء استنزاف القدرة الشرائية للمواطنين.
وتأتي هذه التحركات الاحتجاجية في وقت يرى فيه المستهلكون أن الارتفاع الحالي "غير مبرر" قياساً بالظروف المناخية المواتية، حيث أكد المشاركون في الحملة أن تحسن التساقطات المطرية ووفرة المراعي في المنطقة كان من المفترض أن ينعكسا إيجاباً على تكلفة الإنتاج ووفرة العرض.
واعتبر المتابعون أن لجوء الساكنة لسلاح المقاطعة يجسد إرادة جماعية للتصدي لما وصفوه بـ "الاختلالات" التي تجعل مادة حيوية كلحوم الإبل خارج متناول فئات واسعة من المجتمع، خاصة في ظل استمرار موجة الغلاء التي شملت معظم المواد الاستهلاكية الأساسية.
ومن جانبهم، يبرر المهنيون هذا المنحى التصاعدي بجملة من الإكراهات الميدانية، حيث أوضح فاعلون في قطاع الجزارة بمدينة العيون أن أسعار التقسيط التي تراوحت ما بين 135 و150 درهماً للكيلوغرام، تمليها ندرة القطيع الموجه للذبح، وخاصة صنف "البعير" الذي يشهد طلباً متزايداً.
ويشير المهنيون إلى أن كلفة اقتناء رؤوس الإبل من المصدر قفزت بشكل صاروخي من متوسط 11 ألف درهم إلى نحو 18 ألف درهم، وهو ما يضع الجزارين تحت ضغط مالي كبير يضطرهم لرفع الأسعار النهائية لتغطية تكاليف التزويد التي باتت تتجاوز سقف التوقعات.
وفي مقابل هذه التبريرات، تذهب قراءات مراقبين للشأن المحلي إلى أن الأزمة تتجاوز منطق العرض والطلب لتلامس إشكاليات بنيوية في قنوات التزويد، حيث يُطرح تساؤل عميق حول "تغول" كبار الفاعلين الذين يهيمنون على عمليات استيراد الإبل من دول الجوار مثل موريتانيا ومالي.
ويرى هؤلاء أن غياب المنافسة الحقيقية وتحكم جهات محدودة في سلاسل التوزيع، بالإضافة إلى تعدد الوسطاء، يساهم في تضخيم الأثمان بشكل مصطنع، مما يحرم المستهلك من الاستفادة العادلة من الثروة الحيوانية التي يزخر بها الإقليم ومن برامج الدعم المخصصة للقطاع.
وفي سياق متصل، دخلت جمعيات حماية المستهلك على خط الأزمة، حيث عبرت عن استنكارها الشديد لما وصفته بـ "الارتفاع الصاروخي وغير المبرر" ليس فقط في لحوم الإبل، بل وشملت العدوى لحوم الأبقار والماعز أيضاً.
وشددت الهيئات المدنية على وجود تناقض صارخ بين واقع الوفرة في المراعي وبين الأسعار الملتهبة في المحلات، داعية الجهات الوصية إلى تفعيل آليات الرقابة وضبط شروط الاستيراد والتوزيع لضمان توازن السوق وحماية حقوق المستهلكين من منطق "السوق غير المتكافئ" الذي يفرضه فاعلون يمتلكون سلطة التأثير على التسعير.






