يُعدّ المتقاعد ذاكرةً حيّة للمجتمع، وخلاصة سنوات طويلة من العمل والعطاء في مختلف الميادين. غير أنّ ما يثير الاستغراب هو التحوّل الذي يطرأ على نظرة بعض الجهات الرسمية تجاهه، حيث ينتقل من عنصر فاعل ومُنتج إلى عبءٍ يُراد التخلّص منه. وهذا التنكّر لا يمسّ شخص المتقاعد فقط، بل يطال قيمة العمل ذاته، ويبعث برسائل سلبية إلى الأجيال القادمة.
نظرة الحكومة للمتقاعد
في كثير من الأحيان، تنحصر نظرة الحكومة للمتقاعد في أضيق الحدود؛ إذ يُختزل وجوده في رقم معاشه لا غير، وكأنّ تاريخه المهني لا وزن له. بل إنّ بعض الإجراءات الإدارية توحي وكأنّ السؤال الأهم هو: هل ما زال حيًّا؟!، في تجاهل صارخ لكرامته الإنسانية. والأسوأ من ذلك، أنّ التفكير قد يصل إلى حدّ التساؤل الضمني: متى سيتخلّص الصندوق من عبئه؟، وهو منطق يجرّد العلاقة بين الدولة ومواطنيها من بعدها الأخلاقي والاجتماعي.
نظرة الدول الديموقراطية للمتقاعد
في المقابل، ما تزال الدول الديمقراطية تُولي للمتقاعد مكانةً معتبرة، إدراكًا منها لقيمة الخبرة المتراكمة. فهي تحرص على استشارته والاستفادة من تجاربه في مختلف المجالات، وتُبقي حضوره حيًّا من خلال تكريمه في المناسبات الوطنية والمهنية. كما تعمل على تحسين معاشاته بما يتماشى مع ارتفاع تكاليف المعيشة، ضمانًا لكرامته واستقراره. ولا تقف عند هذا الحد، بل تمنحه امتيازات خاصة تشمل مجالات التطبيب، والنقل، والترفيه، والتسوق، اعترافًا بسنوات عطائه.
التهديد بفراغ الصناديق !
غير أنّ الواقع في بعض السياقات يكشف عن ممارسات مغايرة؛ إذ يُرفع في وجه المتقاعد شعار "الصندوق خوا" كلما طالب بحقّه المشروع في الاستفادة من الزيادة في الأجور. وهو تبرير يفتقر إلى الشفافية، ويُخفي وراءه اختلالات في التدبير المالي، يتحمّل تبعاتها من أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن.
ملف "المتقاعدين"
أما ملف المتقاعدين، فيظلّ عالقًا بين الحكومات، ينتقل من واحدة إلى أخرى دون حلول جذرية. فكل حكومة تتعامل معه كـ"وديعة" مؤجّلة، إلى أن تُسلّمه للحكومة التي تليها، ليبقى هذا "الملف الحارق" يدور في حلقة مفرغة، دون إرادة حقيقية للحسم.
إنّ إنصاف المتقاعد ليس مجرّد مطلب فئوي، بل هو مقياس لمدى وفاء الدولة لمواطنيها. فالتنكر لخدماته هو في جوهره تنكّر لقيمة العمل والعطاء. ومن ثمّ، فإنّ إعادة الاعتبار لهذه الفئة تقتضي إصلاحًا حقيقيًا، يضمن كرامتها، ويُعيد لها مكانتها المستحقة في المجتمع. "
عبد اللطيف مجدوب






