أمام التصعيد الخطير الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، واستمرار إغلاق مضيق هرمز الذي تمر عبره 20% من إمدادات الطاقة العالمية، منها أكثر من 20 مليون برميل نفط يوميا، وخمس الغاز الطبيعي المسال، واستهداف المزيد من المنشآت الطاقية الإيرانية، من طرف الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، والرد الإيراني كذلك باستهداف باقي المنشآت الطاقية بدول المنطقة، إضافة لدخول الحوثيين الحرب، مما يهدد بوقف الملاحة كذلك بمضيق باب المندب، الذي يشكل بدوره شريان مهم للطاقة على المستوى العالمي، الذي تمر عبره 10% من النفط العالمي و 5% من الغاز الطبيعي المسال، ما سيشكل ضربة موجعة لأسواق الطاقة، التي شهدت ارتفاعا كبيرا في أسعارها منذ بداية الحرب، قد تتجاوز كل الأرقام السابقة في حالة عدم توصل الأطراف لوقف الحرب، لما تملكه المنطقة من مخزونات طاقية، وفي جميع الأحوال فإنه من الصعب التنبؤ بعودة الأسعار إلى ما كانت عليه قبل الحرب، نظرا لتعرض مجموعة من المنشآت الطاقية لبعض الأضرار، سيتطلب إصلاحها شهورا والبعض منها سنوات، ما سيساهم في استمرار نقص الإمدادات على مستوى الأسواق الدولية، ستزداد تداعياتها بشكل كبير على الأمن الطاقي والغذائي للدول المستوردة للطاقة، كالمغرب الذي يستورد كامل احتياجاته النفطية، التي يؤدي ضريبة ارتفاع أسعارها المستهلك المغربي، الذي وجد نفسه بعد إغلاق محطة التكرير سامير وتحرير الأسعار بين مطرقة الأزمات وسندان الفاعلين بقطاع المحروقات، كما جاء ذلك في ملاحظات وتوصيات تقارير الهيئات الاستشارية والرقابية الوطنية، في غياب الالتزام بالقوانين، والتوجيهات الملكية، والتوصيات الدولية.
أولا: تداعيات الحرب على قطاع المحروقات بالمغرب
لقد انعكست الأوضاع الحالية بالشرق الأوسط، بمزيد من الزيادات في سعر المحروقات (الغازوال والبنزين) بالمغرب، الذي رهن مستقبله الطاقي بالخارج، من خلال إعدام مصفاة سامير، التي كانت تؤمن أزيـد مـن 47% مـن حاجيـات السـوق الوطنيـة مـن الغازوال، وقرابـة 70% مـن البنزيـن، إضافة إلى مجموعة من المشتقات النفطية الأخرى، كالفيول والبوتان والبروبان ووقود الطائرات…، وذلك لفتح الباب أمام بعض الشركات لمراكمة الأرباح على ظهر المستهلك المغربي، في غياب احترام للقانون 09.71 الصادر سنة 1971، الذي يلزم تلك الشركات بتوفير مخزون استراتيجي لا يقل عن 60 يوم، وغياب السلطة الحكومية التي أنيطت لها مراقبة وفرض العقوبات التي جاء بها القانون 1.72.255 الصادر سنة 1973، بفرض غرامة 5 دراهم على كل متر مكعب من الكمية اللازم توفرها لتغطية 60 يوما من المخزون الاستراتيجي، وتضـرب هـذه الغرامـة فـي عـدد الأيـام التـي اسـتمر ارتـكاب المخالفـة خلالهـا.
وفي الأسبوع الثاني من هذه الحرب اتضح أن المخزون الاستراتيجي، لا يتجاوز 15 يوما، وهي أكبر خيانة تتعرض لها البلاد من طرف لوبي المحروقات، الذي ورغم استمرار انخفاض الأسعار على المستوى العالمي لشهور وأحيانا سنوات، لا ينعكس ذلك على المستوى الوطني، ويصبح آنذاك المخزون الاستراتيجي بقدرة قادر أكثر من شهرين، وحتى إذا انخفض سعر اللتر من الغازوال والبنزين يتم بالسنتيمات، عكس الزيادة التي تتم بالدراهم، كما وقع مؤخرا في مناسبتين.
وفيما يتعلق بالمخزون الاستراتيجي فالوكالة الدولية للطاقة، تُلزم الدول الأعضاء بالاحتفاظ بمخزونات تعادل 90 يوما على الأقل من صافي الواردات، وتختلف هذه النسب من دولة إلى أخرى، إذ نجد على سبيل المثال أن الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك مخزونا استراتيجيا يغطي حوالي 120 يوما من احتياجاتها أي ما يعادل 4 أشهر، ويطبق الاتحاد الأوروبي معيارا صارما يتمثل في 90 يوما من الواردات أو 61 يوما من الاستهلاك الداخلي، بينما تتوفر الصين على مخزون استراتيجي يقدر ب78 يوما. هذه الأرقام توضح كيف تستطيع القوى الكبرى، بفضل مخزوناتها من الصمود والتكيف مع تقلبات الأسعار الدولية، فيما يبقى ملف المخزون الاستراتيجي للمحروقات بالمغرب، من النقط السوداء في السياسة الطاقية، لما يعتريه من اختلالات بنيوية.
ثانيا: ملاحظات وتوصيات بعض الهيئات الاستشارية والرقابية الوطنية.
يشكل الاطلاع على الملاحظات والتوصيات، التي جاءت بها تقارير المؤسسات الدستورية الوطنية، مرجعا للوقوف على الاختلالات والخروقات التي يشهدها قطاع المحروقات بالمغرب، كتقارير مجلس المنافسة والمجلس الأعلى للحسابات، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، كما سيتم الرجوع لأهم ملاحظات الجبهة الوطنية لإنقاذ سامير، بحكم معرفتها الجيدة أكثر من أي طرف آخر بأسرار هذا الملف.
1-مجلس المنافسة
لقد سجل مجلس المنافسة على مدار سنوات، وجود مجموعة من الاختلالات التي يتخبط فيها قطاع المحروقات، بداية بالتقرير الذي أنجزه سنة 2019 حول مشروع قرار الحكومة بشأن تسقيف هوامش ربح المحروقات السائلة، عدد: ر/1/19، والذي أكد فيه أن الحفـاظ علـى نشـاط محلـي لتكريـر المحروقـات ذو أهميـة اسـتراتيجية قصـوى، وأن تواجـد وحـدة محليـة للتكريـر داخـل سـوق المحروقـات مكـن مـن الحفـاظ علـى التوازنـات التنافسـية داخـل السـوق، وكذلـك الحـد مـن قـوة السـوق التـي يتوفـر عليهـا الفاعلـون المسـتوردون علـى مسـتوى الاسـتيراد والتخزيـن والتوزيــع بالجملــة للمحروقــات. وعلى ضوء ذلك أوصى المجلــس الحكومــة بضــرورة وضــع تدابيــر تحفيزيــة خاصــة لتشــجيع وتنميــة الاســتثمار فــي نشــاط التكريــر الخــاص، أو بشــراكة مــع القطــاع العــام (هذا فيما يخص تكرير المحروقات).
أما فيما يخص القدرات الوطنية للتخزين، فقد أوصى المجلس بإحـداث آليـة لتسـهيل إجـراءات إنشـاء قـدرات جديـدة للتخزيـن أو توسـيع القـدرات الحاليـة، وفتـح القطـاع أمـام المسـتثمرين المحتمليـن فـي مجـال التخزيـن، مـن خـلال إحـداث إطـار محفـز يوفـر رؤيـة اسـتثمارية فـي هـذا الجـزء مـن السـوق.
وفي رأي آخر لمجلس المنافسة لسنة 2022، عدد: ر/3/22، حول الارتفــاع الكبيــر فــي أســعار المــواد الخــام والمــواد الأولية في السـوق العالمية، وتداعياته على السـير التنافسـي للأســواق الوطنيــة حالة المحروقات (الغازوال والبنزين)، من بين الملاحظات التي أشار إليها المجلس بخصوص أسعار المحروقات وطنيا ودوليا: انعــكاس فــوري للزيــادات فــي عــروض الأســعار علــى الصعيــد العالمــي ومؤجلــة زمنيــا فــي حالــة انخفاضهــا، وكذلك وجود اتفاق بين الشركات على تحديد أسعار البيع وزيادة أرباحها بشكل كبير.
2-المجلس الأعلى للحسابات
تمت الإشارة في تقرير للمجلس سنة 2016 إلى أن حالة المخزون الاحتياطي من المنتجات النفطية، أصبح معرضا بشكل أكبر للخطر بعد توقف نشاط شركة التكرير سامير، فمنذ صيف 2015 أصبحت السوق الوطنية تتزود بشكل كامل من واردات المنتجات المكررة، مما يزيد من خطر تعرضها لتقلبات السوق الدولية، كما تقلصت قدرات التخزين بتلك التي كانت توفرها شركة التكرير المحلية.
وفي تقييمه للاستراتيجية الطاقية بالمغرب خلال الفترة 2023-2024، وقف المجلس، على بعض الاختلالات، بمجموعة من القطاعات الطاقية، بما فيها قطاع المحروقات، إذ أنه منذ اعتماد الاستراتيجية سنة 2009 ظلت المخزونات الاحتياطية البترولية دون المستوى المحدد في 60 يوم، إذ لم تتعد المخزونات سنة 2023 من الغازوال والبنزين والبوتان 32 و37 و31 يوما. كذلك محدودية نقط دخول المنتجات البترولية المستوردة حيث سجل فقط نقطة دخول وحيده بميناء طنجة المتوسط منذ انطلاق الاستراتيجية الوطنية 2009/2020.
وبالنسبة للغاز الطبيعي حسب المجلس الأعلى للحسابات، فإنه لم يتم استكمال المبادرات المتخذة لتطويره منذ سنة 2011، ما ينعكس على الجهود الرامية إلى التخلي التدريجي عن الفحم الحجري في إنتاج الكهرباء، كما أنه تم التركيز فقط على قطاع الكهرباء في التخطيط، ولا يشمل التخطيط تأمين الإمدادات والنجاعة الطاقية.
3-المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي
في إحالة ذاتية أجراها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، حول تسريع الانتقال الطاقي لوضع المغرب على مسار النمو الأخضر لسنة 2020، رقم: 45/2020، فقد سجل وجود مجموعة من الاختلالات، من بينها إغلاق محطة التكرير سامير شهرين قبل تحرير الأسعار، مما أدى إلى ارتفاع فاتورة استهلاك الطاقة بشكل كبير، وتفاقم العجز في الميزان التجاري، وأن وجود محطة وطنية لتكرير البترول، كان بإمكانه التخفيف من تقلبات أسعار النفط واغتنام الفرص المتاحة والتخفيف من آثار الأزمات التي تشهدها الأسواق الدولية.
4-الجبهة الوطنية لإنقاذ سامير
بحسب التقرير الذي أعدته الجبهة الوطنية لإنقاذ سامير، والتي تضم فعاليات مدنية واقتصادية وممثلين عن عمال الشركة، فإن توقف الإنتاج بالمصفاة، كان نتيجة تواطؤ بين عدة أطراف، منهم أطراف داخل الشركة، وأطراف خارج الشركة ترتبط بوزارة الاقتصاد والمالية وإدارة الجمارك ووزارة الطاقة والمعادن وبعض الأبناك، فضلا عن الهيئة المغربية لسوق الرساميل (مجلس القيم المنقولة سابقا) وبورصة الدار البيضاء ومدققي الحسابات، وتعتبر الجبهة أن مصفاة سامير ركيزة أساسية لتعزيز الأمن الطاقي بالمغرب، وأن اشتغالها كان يضمن مستوى تخزين لا يقل عن مليون و200 ألف طن، وقد يصل أحيانا إلى مليون و500 ألف طن من النفط الخام أو المنتجات نصف المكررة أو المكررة، وهي كمية تعادل ما بين 30 و 40 يوما من الاستهلاك الوطني.
وبخصوص التلاعبات بأسعار المحروقات، فإن الجبهة الوطنية لإنقاذ سامير تدعو مجلس المنافسة للقيام بدوره الدستوري في منع الممارسات المنافية لقواعد حرية الأسعار والمنافسة التي يشهدها قطاع المحروقات.
ثالثا: المستهلك بين مطرقة الأزمات وسندان لوبي المحروقات.
يعد اللوبي المغربي –الأجنبي في قطاع المحروقات من أقوى جماعات الضغط التي تمارس دورا مؤثرا في صياغة السياسات الطاقية بالمغرب، مثل “شركة أفريقيا” و”فيفو” و”طوطال” و”بتروم”، لاحتكارها ثلاثة أرباع السوق تقريبا، نظرا إلى شبكة العلاقات المتداخلة التي تربطها بصناع القرار في الحكومة، هذا التداخل بين كل ما هو اقتصادي وسياسي، كان وراء إغلاق محطة التكرير، وتحرير الأسعار، وحذف دعم صندوق المقاصة، في عهد الولاية الحكومية الممتدة بين 2011-2017 ، ليستفرد ذلك اللوبي بالتوريد والتخزين والتوزيع، والرفع من هامش الربح، إذ وفقا لتقرير مجلس المنافسة الخاص بالربع الرابع لسنة 2024، الذي أوضح من خلال تحليله لأسعار المحروقات بالمغرب، أن الهوامش الإجمالية لأرباح توزيع الوقود تمثل حوالي 15% بالنسبة للغازوال و16% للبنزين، وتنقسم هذه الهوامش بين شركات التوزيع بالجملة بنسبة تتراوح بين 11% و12%، ومشغلي محطات الوقود، الذين يحققون هامش ربح إجمالي يناهز 4% لكلا النوعين من الوقود.
واليوم يؤدي المغرب ضريبة، سيطرة هذا اللوبي الذي تسبب في توقف التكرير، وأدخل البلاد في تبعيـة بنيويـة أمام الاسـتيراد، لما لذلك مـن انعكاسـات علـى مسـتوى تصاعـد الفاتـورة الطاقيـة والميـزان التجـاري، فقـد ارتفع معـدل تغطيـة حاجيــات الســوق الوطنيــة مــن المــواد المكــررة بشكل كبير، كمــا تعمــق العجـز التجـاري للمـواد الطاقيـة، إذ سبق أن وصل لرقم قياسي تاريخي ناهز 153 مليار درهم سنة 2022. وهو ما انعكس بشكل كبير على مستوى القدرة الشرائية للمستهلك، فرغم انخفاض أسعار البترول في السوق الدولية، لا ينعكس ذلك على السوق الوطني، ولم يشهد تاريخ المغرب مثل هذا النوع من التداخل بين كل ما هو سياسي واقتصادي، إلا في عهد الحكومة الحالية التي تمتد ولايتها بين 2021-2026، والتي تشهد ترابطا بين المصالح الشخصية وشركات المحروقات، أو ما يمكن أن يصطلح عليه ب”زواج المال والسلطة”، والذي كشفه مجلس المنافسة في تقريره حول تتبع تنفيذ التعهدات المتخذة من لدن شركات توزيع الغازوال والبنزين بالجملة، في إطار اتفاقية الصلح المبرمة معه برسم الربع الثاني من سنة 2024.
رابعا: مصفاة “سامير” الحلقة المفقودة منذ سنة 2015
لقد كانت الشركة الوطنية للتكرير تلعب دورا استراتيجيا في السوق على الأقل على ثلاثة مستويات، تزويـد السـوق الوطنيـة، وتوفير مخزونات مهمة، والقدرة في الحفـاظ علـى التوازنـات التنافسـية للسـوق.
فقد كانـت شركة سامير تضمـن ما بين 64% و67% مـن حاجيـات السـوق الوطنيـة مـن المـواد المكـررة موزعـة علـى الشـكل التالـي %47 مـن الغـازوال،%60 مـن الفيـول، %70 مـن الوقـود الممتـاز و %80 مـن وقـود الطيـران.
كما كانت تتوفـر علـى قـدرات هائلـة للتخزيـن تقـدر بحوالـي مليونـي متـر مكعـب، كل المـواد مجتمعـة، حيـث خصـص نصفهـا للمـواد البيضـاء. لقـد تـم حرمـان البـلاد دفعـة واحـدة مـن نصـف قدراتهـا للتخزيـن بعـد توقـف الشـركة الوطنيـة للتكريـر، مـع مـا يحملـه ذلـك مـن خطـر داهم علـى تزويـد البـلاد فـي حالـة خصـاص أو توتـرات فـي السـوق الدوليـة أو الوطنيـة؛ وهو ما يتعارض مع الرؤية الملكية لتحقيق الأمن الطاقي، كما جاء في خطاب الملك محمد السادس “ومن القضايا الأساسية، مشكل الطاقة، الذي يجب التصدي له عبر رؤية مستقبلية ضمانا للأمن الطاقي لبلدنا، وتنويع الموارد الطاقية الوطنية بأخرى بديلة، وترشيد استعمالها”.
إضافة إلى دورها المهم في الحفـاظ علـى التوازنـات التنافسـية للسـوق، بحيث كانـت السـوق مطبوعـة بوضعيـة “ميـزان للقـوى” بيـن نشـاط التكريـر مـن جهـة، والـواردات المنجـزة مـن طـرف موزعـي مـواد البتـرول السـائلة مـن جهـة أخرى.
إذن على ضوء هذه الأرقام والمعطيات، يتضح أن الطريق مازال طويلا للحديث عن “الأمن الطاقي” و”السيادة الطاقية” في ظل التبعية المطلقة للخارج، وما تعرضت له المصفاة الأولى بالمغرب من خوصصة وإغلاق، والتي كانت تلبي نسبة كبيرة من احتياجات البلاد، بالإضافة إلى اليد العاملة الكبيرة التي كانت تشغلها، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، فالمغرب كان في حاجة لإنشاء مصفاة أخرى بالموازاة مع استمرار مصفاة سامير نظرا لموقعه الجغرافي والجيواستراتيجي، للصمود أمام جميع سيناريوهات الطاقة العالمية، فشركات المحروقات تستغل مثل هكذا أزمات لمضاعفة أرباحها، وأمام أعين الحكومة والوزارة الوصية وباقي المؤسسات والهيئات المعنية، على ظهر المستهلك البسيط الذي يبقى الحلقة الأضعف، والذي بدوره يتحمل المسؤولية في تشجيع الزيادات غير القانونية لأسعار المحروقات، إذ تجاوب معها من خلال تشكيل طوابير أمام محطات الغازوال والبنزين للتزود قبل منتصف الليل، وكأن الأمر يتعلق بزيادة لحظية، ستزول بعد يوم أو يومين، وهي صورة لا تحتاج لتبريرات، وتشجع على مزيد من الزيادات.
وفي تفاعل حكومي متأخر، اجتمعت اللجنة الوزارية المكلفة بتتبع تداعيات التوترات الجيوسياسية بالشرق الأوسط على الاقتصاد الوطني، لتعلن فيه عن الشروع في صرف دعم مباشر واستثنائي لمهنيي قطاع نقل البضائع والأشخاص، بحكم قوتهم النقابية، فالحكومات تتحرك لحماية الشعوب التي أوصلتها للسلطة، من خلال إيجاد حلول وبدائل تخفف من تأثير هذه الأزمات، بدل دعم فئات وإقصاء أخرى، فالحكومة بالمغرب تغرد خارج السرب، غير آبهة بالتوجيهات الملكية، التي جاءت في الخطاب الخاص بافتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية الحادية عشرة، ل01ربيع الأول 1443ه، الموافق 08 أكتوبر 2021م، يقول صاحب الجلالة …”وقد أبانت الأزمة الوبائية عن عودة قضايا السيادة للواجهة، والتسابق من أجل تحصينها، في مختلف أبعادها، الصحية والطاقية، والصناعية والغذائية، وغيرها، مع ما يواكب ذلك من تعصب من طرف البعض”.
كما يضيف صاحب الجلالة “لذا، نشدد على ضرورة إحداث منظومة وطنية متكاملة، تتعلق بالمخزون الاستراتيجي للمواد الأساسية، لاسيما الغذائية والصحية والطاقية، والعمل على التحيين المستمر للحاجيات الوطنية، بما يعزز الأمن الاستراتيجي للبلد”.
يظهر إذن، أن المشرفين على القطاع الطاقي بالمغرب وخاصة قطاع المحروقات، لم يستخلصوا الدروس من أزمة كورونا وقطع أنبوب الغاز المغاربي، وكذلك الحرب الروسية الأوكرانية، لوضع حد للاختلالات التي يشهدها هذا القطاع الحيوي، والتي برزت مجددا في ظل الحرب الحالية، والتي كان بإمكان المغرب أن يكون بمنأى منها، لأنه عند البحث في تاريخ الطاقة بالمغرب، نجد أن أول بئر للنفط بشمال إفريقيا وجد بالمغرب سنة 1919، أي قبل دول الخليج بسنوات، وذلك بجهة الغرب، وبالضبط بمنطقة تسمى “سلفات”، قرب مدينة سيدي قاسم، ليتم تأسيس الشركة الشريفة للبترول سنة 1929، مع اكتشاف بئر ثاني بعين الحمراء سنة 1934، وبعد نضوب تلك الآبار توقفت الشركة سنة 1997، وتم التخلي عنها لتقلص الدولة المغربية الدعم الذي كانت تخصصه لنقل البترول الخام من المحمدية إلى سيدي قاسم، وفي نفس السنة تمت عملية خوصصة شركة سامير، ليتم تحويل 67% من الأسهم إلى شركة «كورال بيتروليوم» السويدية التابعة لمجموعة العمودي السعودية سنة 1999، وقد استمرت في التكرير، إلى أن تـم توقيـف نشـاطها خـلال شـهر غشـت 2015 قبل شـهرين فقـط من الأجـل المحـدد للتحريــر الكلــي للأســعار، وبذلك أصبح المغرب عرضة لتقلبات السوق الدولية، مما فتح المجال لبعض الشركات في التحكم واحتكار المواد البترولية.
خامسا: الاحتياطات الطاقية بالمغرب
هناك عمليات اكتشاف في مختلف المناطق بالمغرب بما فيها المحيط الأطلسي، وتشير بعض التقارير إلى وجود بعض النسب المهمة من الغاز الطبيعي، بكل من حوض الغرب وسواحل العرائش وتندرارة الذي يشرف على بداية استغلاله، وتبقى مصداقية تقارير الشركات العاملة بالمغرب محل شك، بحيث تهدف من خلالها لرفع أسهمها دوليا، والفوز بصفقات أخرى للتنقيب، مع ما يتطلب ذلك من استثمارات ضخمة، تضخ في حساباتها، وتثقل ميزانية الدولة.
فالمغرب يتوفر على نسبة كبيرة من الصخر النفطي تقدر بأكثر من 53 مليار برميل، يحتل بها المرتبة السادسة عالميا، والذي سبق أن تم استغلاله، ببناء معمل تجريبي في تمحضيت سنة 1984، بعد ارتفاع أسعار النفط سنة 1973، لكن بعد هبوط أسعار النفط التقليدي، في تلك الفترة، أدى إلى تراجع الدراسات والتجارب والأبحاث، وبعد عودة ارتفاع الأسعار في السنوات الأخيرة، يجب التفكير في استغلال هذا النوع من النفط غير التقليدي، لمدى قدرته على تغيير المشهد الجيو-نفطي العالمي، فهل ستدفع الأزمة الطاقية الحالية بالشرق الأوسط المغرب، لإعادة استغلال الصخور النفطية، التي تعادل الاحتياطيات المؤكدة للنفط التقليدية في الجزائر وليبيا، والتي ستكون كافية لإشباع الاستهلاك المغربي من النفط لمدة ثمانية قرون.
وبعد مرور أكثر من أربع سنوات على الخطاب التاريخي للملك أمام البرلمان بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية الحادية عشرة، لفاتح ربيع الأول 1443ه الموافق 08 أكتوبر 2021م، وتشديده على ضرورة تعزيز الأمن الاستراتيجي للبلد، على المستوى الطاقي والصحي والغذائي، الذي كان بمثابة ناقوس خطر موجه للفاعلين بالقطاع الفلاحي والصحي، والطاقي خاصة ما يتعلق بقطاع المحروقات، الذي بدا أوهن من بيت العنكبوت أمام الأزمات الدولية للطاقة، بعدما تبين عدم التزامهم بالكميات الواجب أن تتوفر كمخزون استراتيجي مستدام، لتغطية 60 يوما من الاستهلاك، كانت كفيلة بحماية المستهلك المغربي من تبعات الأزمات الطاقية، على الاقل لمدة شهرين.
خاتمة
في غياب بوادر لإنهاء الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، فإن أسعار المحروقات بالمغرب ستحطم كل الأرقام، وستؤدي لموجة تضخم غير مسبوقة، سترخي بظلالها على المستوى المعيشي، الذي ساهم فيه المخطط الأخضر من خلال تهميش الفلاحة المعيشية على حساب التصديرية، واستنزاف الثروة المائية والحيوانية، وجاء الجيل الأخضر ليجهض على ما تبقى من سيادة غذائية، وعليه، عن أي أمن طاقي وغذائي؟ وعن أي سيادة طاقية وغذائية سنتحدث مستقبلا في ظل تداخل المال مع السلطة؟
فهذا التداخل لا يُعد مجرد مظهر من مظاهر الفساد الإداري فحسب، بل يمثل تهديداً مباشراً لمرتكزات الدولة الحديثة، التي تقوم على مبادئ المساواة والعدالة، وتكافؤ الفرص، وسيادة القانون، فحين تتداخل المصالح المالية مع عملية صنع القرار السياسي، تتراجع المصلحة العامة لصالح الخاصة، وهو ما يشكل خطرا محدقا بالسلم الاجتماعي والأمن الاستراتيجي للبلد.






