وفي هذا الإطار، شكل دستور 2011 لحظة مفصلية في مسار تكريس حقوق المغاربة المقيمين بالخارج، حيث نص الفصل 17 بشكل صريح على تمتعهم بكافة حقوق المواطنة، بما في ذلك حق التصويت والترشح في الانتخابات، اذ جاء فيه: "يتمتع المغاربة المقيمون في الخارج بحقوق المواطنة كاملة، بما فيها حق التصويت والترشيح في الانتخابات. ويمكنهم تقديم ترشيحاتهم للانتخابات على مستوى اللوائح والدوائر الانتخابية المحلية والجهوية والوطنية. ويحدد القانون المعايير الخاصة بالأهلية للانتخاب وحالات التنافي. كما يحدد شروط وكيفيات الممارسة الفعلية لحق التصويت وحق الترشيح، انطلاقا من بلدان الاقامة."
ولا يقف هذا التأطير عند المرجعية الدستورية، بل يجد سنده ايضا في المعايير الدولية، خاصة المادة 25 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تضمن لكل مواطن الحق في المشاركة في ادارة الشؤون العامة، اما مباشرة او بواسطة ممثلين يتم اختيارهم بحرية. كما يعزز هذا التوجه ما ينص عليه الفصل 11 من الدستور من ربط مشروعية التمثيل الديمقراطي بنزاهة الانتخابات وشفافيتها، الى جانب الفصل 30 الذي يكرس حق التصويت والترشح لكل مواطن، وهو ما يجعل مشاركة مغاربة العالم ليست امتيازا، بل حقا دستوريا اصيلا، وان ظل هذا الاقرار، رغم وضوحه، محكوما في تنزيله العملي بمنطق التدرج، بل احيانا بمنطق الحذر، خاصة فيما يتعلق بكيفيات ممارسة هذا الحق.
وفي سياق تنزيل هذه المقتضيات، اقر المشرع من خلال القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب الصادر بتاريخ 14/10/2011 امكانية تصويت المغاربة المقيمين بالخارج عن طريق الوكالة، حيث نصت المادة 72 على انه: "يجوز للناخبات والناخبين المقيدين في اللوائح الانتخابية العامة المقيمين خارج تراب المملكة ان يصوتوا في الاقتراع عن طريق الوكالة. ولهذه الغاية، يتعين على كل ناخب يعنيه الامر ان يملا مطبوعا خاصا يوضع رهن اشارته بمقر السفارة او القنصلية التابع لها مكان اقامته ويوقع عليه، ويصادق على امضائه، في عين المكان، بعد تضمينه البيانات المتعلقة باسميه الشخصي والعائلي ورقم بطاقته الوطنية للتعريف او جواز سفره والجماعة او المقاطعة المقيد في لائحتها الانتخابية بالتراب الوطني والعنوان المدلى به للتقييد في اللائحة الانتخابية المذكورة وكذا الاسم الشخصي والعائلي للشخص الممنوحة له الوكالة ورقم بطاقته الوطنية للتعريف وعنوانه الشخصي. يتولى المعني بالأمر بنفسه توجيه او تسليم الوكالة الى الشخص الذي تم توكيله. يقوم الوكيل بالتصويت نيابة عن المعني بالأمر وفقا للكيفيات المنصوص عليها في هذا القانون التنظيمي. لا يجوز لشخص ان يكون وكيلا لأكثر من ناخب واحد مقيم خارج تراب المملكة."
وقد يبدو ظاهريا ان هده الالية ستمكن افراد الجالية من ممارسة حقهم القانوني في التصويت الا ان الممارسة العملية كشفت عن محدوديتها، سواء بسبب الطابع الورقي للمسطرة، او الاكراهات المرتبطة بالمسافة بين مقرات سكن الجالية والمصالح القنصلية، او تعقيد الاجراءات وضيق الآجال، فضلا عن صعوبة ارسال الوكالة الى داخل التراب الوطني، وهو ما جعل من هذا الحق في كثير من الاحيان حقا نظريا اكثر منه ممارسة فعلية.
ولا تقف حدود الاشكال عند الجوانب العملية فحسب، بل تمتد الى ابعاد مبدئية، ذلك ان التصويت بالوكالة يشكل استثناء على مبدأ شخصية التصويت، الذي يعد من الركائز الاساسية للعملية الديمقراطية، حيث يفترض ان يعبر الناخب بنفسه وبشكل مباشر عن ارادته السياسية، كما قد يثير تساؤلات حول مدى احترام سرية الاقتراع واستقلالية القرار الانتخابي.
ومن ثم، فان هذه الالية، وان كانت تهدف الى تيسير المشاركة، قد تؤول في بعض الحالات الى افراغ الفعل الانتخابي من مضمونه التمثيلي، وتحويله الى مجرد تفويض شكلي.
وفي محاولة لتجاوز بعض هذه الاكراهات، وفي اطار التحضير التشريعية المقررة بتاريخ 23 شتنبر 2026 اتجه المشرع نحو ادماج الوسائل الرقمية، من خلال تعديل المادة 72 بموجب القانون التنظيمي 53.25، الصادر بتاريخ 16 يناير 2026 حيث نصت على انه: "يجوز للناخبات والناخبين التصويت عن طريق الوكالة. لهذه الغاية، يتعين على كل ناخب يعنيه الامر ان ينجز الوكالة عبر منصة الكترونية مخصصة لهذا الغرض بإدخال البيانات المتعلقة باسمه الشخصي والعائلي ورقم بطاقته الوطنية للتعريف ورقم تسجيله بسجلات التسجيل القنصلي الممسوكة من طرف سفارات وقنصليات المملكة والجماعة او المقاطعة المقيد في لائحتها الانتخابية بالتراب الوطني والعنوان المدلى به للتقييد في اللائحة الانتخابية المذكورة وكذا الاسم الشخصي والعائلي للناخب الممنوحة له الوكالة ورقم بطاقته الوطنية للتعريف وعنوانه الشخصي. يجب على الناخب المقيم خارج تراب المملكة، فور انجاز الوكالة عبر المنصة الالكترونية، التثبت من المعطيات والمعلومات التي ادلى بها، سواء الخاصة به او المتعلقة بالناخب الذي وكله للتصويت نيابة عنه، وتأكيد صحتها اشهادا منه على انه قام بملء مطبوع الوكالة بصفة شخصية وان المعلومات المضمنة فيه صحيحة. ثم يقوم بتحميل نسخة من الوكالة وارسالها عبر البريد الالكتروني او البريد العادي الى الناخب الذي وكله للتصويت نيابة عنه بالتراب الوطني. تقوم السلطة الادارية المحلية التابعة للدائرة نفوذها مكتب التصويت الذي يصوت فيه الناخب الموكل اليه، بطبع نسخة من الوكالة من اجل وضعها رهن اشارة رئيس مكتب التصويت المعني يوم الاقتراع قصد التحقق من صحة الوكالة المدلى بها من طرف الناخب الموكل اليه."
ورغم ما يعكسه هذا التعديل من توجه نحو رقمنة المساطر وتبسيط الاجراءات، فانه يظل في جوهره اصلاحا تقنيا لا يمس طبيعة الالية ذاتها، اذ يبقي على منطق التصويت بالوكالة، دون معالجة الاشكالات المرتبطة بالتمثيلية.
وفي هذا السياق، يبرز الاشكال الجوهري الذي يطبع المشاركة السياسية لمغاربة العالم، والمتمثل في ضعف العلاقة بين حق التصويت والتمثيلية الفعلية، اذ يطلب من الناخب المقيم بالخارج ان يصوت لمرشح ضمن دائرة انتخابية داخل التراب الوطني، قد لا تربطه بها اي علاقة واقعية، ولا تعكس بالضرورة اهتماماته او اولوياته، وهو ما يضعف الرابط بين الناخب والممثل، ويجعل الفعل الانتخابي فاقدا لجزء كبير من معناه السياسي. وهكذا، نكون امام مفارقة واضحة تتمثل في توسيع شكلي للحق في التصويت، مقابل غياب فعلي للتمثيلية السياسية، وهو ما يفرغ هذا الحق من محتواه الديمقراطي، ويجعل العزوف الانتخابي خيارا مفهوما في ظل غياب اثر ملموس للصوت الانتخابي.
وقد نبهت الخطب الملكية منذ سنوات إلى هذا الإشكال، حيث دعا جلالة الملك في خطاب 6 نونبر 2005 إلى تمكين مغاربة العالم من تمثيلية برلمانية حقيقية، عبر إحداث دوائر انتخابية بالخارج، وهو ما أعيد التأكيد عليه في عدة مناسبات لاحقة .
كما أن النقاش السياسي والحزبي بدوره أفرز إجماعا حول ضرورة تمثيلية الجالية، حيث تراوحت المقترحات بين تخصيص مقاعد برلمانية، أو اعتماد لوائح وطنية خاصة، أو إحداث دوائر انتخابية بالخارج .
بل إن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أكد أن مسألة التمثيلية السياسية لمغاربة العالم تظل مطلبا ذا أولوية، ودعا إلى تطوير آليات المشاركة، بما في ذلك الوسائل الرقمية .
لقد سبق للمشرع المغربي أن اعتمد منطق التمييز الإيجابي لتعزيز تمثيلية بعض الفئات، من خلال تخصيص مقاعد لفائدة النساء والشباب، بهدف تحقيق نوع من التوازن داخل المؤسسة التشريعية. وهو خيار أثبت نجاعته في توسيع قاعدة المشاركة وتحقيق حضور فعلي لهذه الفئات داخل البرلمان. ومن هذا المنطلق، لابد للمشرع اليوم التفكير في اعتماد مقاربة مماثلة لفائدة مغاربة العالم، سواء عبر إحداث دوائر انتخابية خاصة بالخارج، أو تخصيص عدد من المقاعد البرلمانية للجالية، بما يضمن تمثيليتها الحقيقية داخل المؤسسة التشريعية اسوة بمجموعة من التجارب المقارنة الدي منحت مقاعد للمهاجرين مثل فرنسا وإيطاليا والبرتغال و تونس .
ولا بد من التأكيد على ان الانتقال نحو التصويت الإلكتروني لمغاربة العالم يظل خيارا استراتيجيا لا يمكن تجاهله. فهذا النموذج، الذي أصبح معتمدا في عدد من التجارب المقارنة، يمكن أن يشكل حلا عمليا لتجاوز الإكراهات الجغرافية والإدارية ، وتمكين الجالية من ممارسة حقها السياسي بسهولة وفعالية ودون وساطة .
من هدا المنطلق فان التفكير في إطلاق تجربة نموذجية للتصويت الإلكتروني لفائدة مغاربة العالم، في أفق تعميمها مستقبلا على المستوى الوطني أصبح ضرورة ديمقراطية تفرضها التحولات الرقمية التي يعرفها العالم.
وخلاصة القول، ان اقرار حق التصويت لفائدة مغاربة العالم، دون تمثيلية حقيقية داخل المؤسسات المنتخبة، يظل اصلاحا ناقصا لا يرقى الى مستوى الالتزامات الدستورية والدولية، ذلك ان الديمقراطية لا تقاس فقط بعدد المصوتين، بل بمدى قدرة اصواتهم على التأثير في القرار العمومي وافراز ممثلين عنهم داخل قبة البرلمان ومن ثم، فان تحقيق مشاركة سياسية فعلية لهذه الفئة يقتضي الانتقال من منطق التمكين الشكلي من التصويت الى منطق الادماج الحقيقي في منظومة التمثيل السياسي، بما يكرس مواطنة كاملة غير منقوصة.






