مجتمع وحوداث

اختلالات سياسية في متابعة تنفيذ المشاريع بمراكش

إدريس الأندلسي

واقع لا يرتفع واغتناء سريع جدا دون مبرر

ما أجمل عشق مدينة مثل مراكش، و ما أصعب تلك الأيام التي تحتضنك خلالها لتشكو لك ما حل بها من أمراض عمرانية و ثقافية و تدبيرية منذ سنين. مراكش تشكو لتاريخها و لماضيها من دمروا حاضرها. مراكش تعرف أنها استبيحت، و أجبرها من تحكموا في يومها، و في غدها و في كل مظاهر وجودها، على الانخراط في لائحة مدن تقهقرت لتصبح بوادي ، بثقافة هجينة و واقع " أفريقي "( بالمعني العمراني) يفتقد لكل طموح يقصد البقاء، و الأمل في الولوج إلى عالم الإقتصادات الصاعدة. مراكش تمنحك الضجيج و تذبح الكتاب و الكتاب الذين ناضلوا من أجل ذاكرتها و استمرار وجودها تاريخيا و حضاريا و فعلا حقيقيا في التمدن و التنمية. قد تجد نفسك في حيرة بين الاستسلام لهمجية تصنعها دراجات نارية يقودها " الحمقى "، و كثير من المضطرين لخوض سباق ضد زمن خطير. و قد أخطر من هذا و ذاك في ثقافة سياساوية تمجد غياب المسؤول عن المدينة و الوزارة و الحزب و الزمن.

قرأت بعض ما قيل عن تدبير عاصمة الامبراطوريتين المرابطية و الموحدية في مغرب القرن الواحد و العشرين، فوجدت الأهوال تخيم على مدينة حمراء تتولاها مجموعة من أحزاب، و كثير من الكائنات الانتخابية التي لا تعرف عن تاريخها إلا الفتات. تجولت في مدينتي التي ملأت معالمها، و رجالاتها ، و كافة مكونات ثقافتها، كتبا و مؤلفات لكثير من المثقفين على مدى أكثر من ألف سنة. قرأت عن فترة ما قبل الاستقلال، و تبين لي أن هذه المدينة عبرت بصدق أبنائها، و بعمق تاريخها عن رفض هيمنة المستعمر و أتباعه. عرفت أن طلبة جامعة إبن يوسف كتبوا بدمهم صفحات مضيئة ،عرت جرائم المستعمر و مسانديه من الخونة، و صنعوا مستقبل بلد رفض المس بمقدسات الوطن في سنوات الدم التي امتدت إلى سنة 1953 ، و التي فضحت تواطؤ القياد و الباشوات مع جنيرالات فرنسا من جوان و كيوم.

لا يمكن أن لا أربط بين تاريخ مدينة مراكش بحاضرها. كما لا يمكن أن اتجاهل أن أمراض مراكش كثيرة و تحتاج إلى كل العلاجات الممكنة بما فيها استئصال الجهل بالتدبير العقلاني و شيء من المعرفة بثقافتها و حتى بعدد أبوابها ، و تاريخ رجالاتها السبع . أشعر، كما يشعر كل أبناء هذه المدينة ، أن الحاضرة، أو كما كان يسميها القضاة و العدول و الفقهاء، " الحضرة المراكشية"، قد أصبحت بادية كبيرة تحتضن الفوضى، و لا يبالي من يدبرون أمرها بهول هذا الأمر الجلل . تحولت مراكش إلى ورش يعيد إنتاج القبح المعماري ، و لا يستثنى من هذا القبح إلا ما تم إصلاحه في بعض أحياء المدينة برعاية و تتبع ملكي . لا يمكن أن تتخيل أن الاوراش في مراكش تبدأ لكي لا تنتهي، و تظل الطرقات التي تربط بين الأحياء " الجديدة" و وسط المدينة تشكل عنوانا كبيرا على غياب ضبط حقيقي لمتابعة المشاريع و مراقبة تنفيذ محدد زمنيا حسب ما يحدده قانون الصفقات. تعجبت كثيرا لسؤال وجهه والي الجهة لمقاول حول إمكانية تقليص مدة إنجاز بناء قنطرة كبيرة تعبر وادي تانسيفت عند أحد مداخل مراكش. جاء هذا السؤال بمناسبة انطلاق الأشغال. و نسي السيد الوالي أن المقاول قد نال الصفقة وفق " كناش الشروط الخاصة" و التي تشكل الالتزامات التي تربطه بالآمر بالصرف. و غاب عنه أن كل تغيير لشروط العقد، بما في ذلك مدة الإنجاز، تتطلب مراجعة العقد و شروطه التقنية و المالية.

و سيظل المراكشيون ينتظرون نهاية الأشغال بشارع علال الفاسي ، و نقل محطة نقل المسافرين من باب دكالة، و حماية معالم المدينة التاريخية ، و إعادة تأهيل بنيات النقل الحضري، و تحسين آليات نظافة المدينة، و تنظيم السير في الشوارع ، و كثيرا من الإهتمام بطرق تدبير المشاريع داخل المجال الحضري . سقطت الأمطار غزيرة في المدينة فعرت عن عيوب إعادة تأهيل ساحة جامع الفنا. و غابت مراقبة تنفيذ المشروع التي كان من المفروض أن يحترم أهم المقاييس التقنية لتضمن انسيابية المياه في ساحة لم تشهد فضيحة كتلك التي عاشتها يوم السبت 11 أبريل. مراكش تحتاج، ككثير من مدن بلادنا، إلى وكالات مستقلة لتنفيذ المشاريع تضمن المهنية العالية و عدم الخضوع لوصاية من لا علم لهم بعلوم الاعمار و التعمير. و تبقى المحاسبة المرتبطة بالمسؤولية ذلك المبدأ الدستوري المغربي الذي يجب أن يحمي الوطن و المواطنين من جبروت نخبة سياسية أبان أغلبها عن تعنت في أداء المهام التي ترشح من أجل تحملها. و ستنتظر هذه المدينة، التي كانت عاصمة لإمبراطوريتين ، ترزح تحت وطأة إنتظار حسم الأمر المتعلق بسطو من لا يحملون مراكش في قلوبهم . و سنظل ننتظر تغيير واقع الوساطة السياسية لكي نصل إلى زمن المحاسبة المربوطة بالمسؤولية السياسية. و في إنتظار الفرج، لا يسع أهل مراكش إلا أن يستفيقوا من سبات، و يهبوا لنجدة مدينة تاريخية، و منتجة لأكبر منتوج سياحي، و يعيدوا إليها ذلك الحلم الذي بناه مناضلون ضد المستعمر و اتباعه من القواد و الباشوات و كل من كان في صف الكلاوي من الخونة. و الأمر يهم أيضا خونة هذا الزمن الذين راكموا ثروات لمجرد حصولهم على مقعد في مجلس بلدي أو إقليمي أو جهوي. و قد سيق بعضهم إلى حيث يوجد المجرمين. و يحتم هذا المشهد إصلاحات عميقة لدعم حضور الكفاءات من النساء و الشباب و من الكهول في كل مؤسسات بلادنا.