فن وإعلام

محطات لفهم بروز المطلب الهوياتي على الصعيد الدولي

مصطفى عنترة (كاتب صحفي)

يشكل بروز المطالب الهوياتية على المستوى الدولي أحد أبرز ملامح التحولات البنيوية التي عرفها العالم منذ أواخر القرن العشرين.

وقد أصبح هذا البروز من المفاتيح الأساسية لفهم طبيعة الصراعات والتحولات السياسية والاجتماعية، خاصة بعد انتقال مركز الثقل في تحليل الصراعات من المحددات الأيديولوجية والاقتصادية إلى محددات ثقافية ورمزية ذات صلة بالهوية والانتماء.

وقد ارتبط هذا التحول، في مرحلة أولى، بنهاية "الحرب الباردة"، التي تمثل نقطة انطلاق حاسمة، خاصة مع الإصلاحات التي قادها ميخائيل غورباتشوف عبر سياستي البيريسترويكا (إعادة البناء) والغلاسنوست (الشفافية)، والتي مهدت لتفكك الاتحاد السوفياتي وسقوط جدار برلين.

وفي هذا السياق، برزت هويات قومية وإثنية كانت مكبوتة خلال مرحلة الثنائية القطبية، وظهرت مطالب هوياتية قوية في عدد من المناطق، بلغت في بعض الأحيان حد الصراعات العنيفة والتطهير العرقي.

وقد تعمق هذا المنحى خلال تسعينيات القرن العشرين، لا سيما مع اندلاع حروب يوغسلافيا التي أعقبت تفككها، حيث تحولت الهوية إلى عامل حاسم في الصراع.

وكشفت هذه التجربة عن مخاطر توظيف الانتماءات الثقافية والدينية خارج إطار التعددية والتدبير الديمقراطي، كما أبرزت حدود المقاربات الأحادية للهوية، وأكدت الحاجة إلى نماذج أكثر انفتاحا لتدبير التنوع.

تعزز الاهتمام الدولي بقضايا التعدد والتنوع الثقافي واللغوي، خاصة في إطار الأمم المتحدة، التي عملت على تطوير منظومة حقوق الإنسان لتشمل البعد الثقافي.

وفي موازاة ذلك، بدأ العامل الثقافي يفرض نفسه محددا مركزيا في العلاقات الدولية، خاصة مع ترسيخ المرجعية الحقوقية الدولية، من خلال العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي ساهم في تعزيز الاعتراف بالحقوق الثقافية، وفتح المجال أمام بلورة مطالب قائمة على الهوية والاعتراف.

ومع نهاية التسعينيات وبداية الألفية الثالثة، ارتبطت مسألة الهوية بسياق العولمة وتزايد الهجرة، حيث برزت تحديات جديدة داخل المجتمعات متعددة الثقافات، خاصة فيما يتعلق بالاندماج والتماسك الاجتماعي.

وفي هذا الإطار، شكلت هجمات 11 سبتمبر/أيلول لحظة مفصلية أعادت طرح سؤال الهوية، خصوصا في بعده الديني، حيث تداخلت قضايا الهوية مع رهانات الأمن والهجرة والانتماء، مما أفرز نقاشات واسعة حول العلاقة بين الخصوصية الثقافية والانتماء الوطني، وتوترات داخل بعض المجتمعات متعددة الثقافات.

وفي سياق مواز، تعزز الاهتمام الدولي بقضايا التعدد والتنوع الثقافي واللغوي، خاصة في إطار الأمم المتحدة، التي عملت على تطوير منظومة حقوق الإنسان لتشمل البعد الثقافي.

ويبرز في هذا السياق دور اليونسكو من خلال اعتماد الإعلان العالمي بشأن التنوع الثقافي، الذي أكد أن التنوع الثقافي يشكل "تراثا مشتركا للإنسانية" وضرورة حمايته وتعزيزه. وقد ساهم هذا التوجه في إرساء مفهوم جديد للهوية يقوم على الاعتراف بالتعدد بدل الإقصاء.

وفي العقد الثاني من الألفية الثالثة، عاد سؤال الهوية بقوة في سياق ما عرف بـ"أزمة اللاجئين"، حيث أدت موجات الهجرة نحو أوروبا، عقب النزاعات في الشرق الأوسط، إلى إعادة طرح إشكالية الهوية الوطنية وحدود التعدد الثقافي وإمكانات التعايش داخل المجتمعات الأوروبية، خاصة مع صعود تيارات سياسية تركز على الانتماء والهوية.

وتزامن ذلك مع تنامي ما يعرف بسياسات الهوية، حيث أصبحت جماعات متعددة تطالب بالاعتراف بخصوصياتها الثقافية واللغوية والاجتماعية، في إطار تحولات عميقة يشهدها الخطاب الحقوقي العالمي.

كما يعكس هذا المسار تزايد الوعي بضرورة تدبير التعدد الثقافي في إطار مقاربات ديمقراطية تقوم على الاعتراف والاندماج، بما يضمن التوازن بين الحفاظ على الخصوصيات وتحقيق التماسك الاجتماعي.

وفي محطة أخرى، شكلت أحداث "الربيع العربي" منعطفا مهما في إعادة طرح سؤال الهوية، إذ عرفت مجموعة من بلدان المنطقة حركات احتجاجية طالبت بالإصلاح السياسي والعدالة الاجتماعية، إلى جانب بروز واضح للمطالب الهوياتية.

وقد تجلت هذه الدينامية في الشعارات والخطابات والمطالب الدستورية، خاصة مع صعود الحركات الاجتماعية الجديدة، كما هو الحال بالنسبة إلى الحركة الأمازيغية في منطقة شمال أفريقيا، حيث تم تبني تصور جديد للهوية يقوم على الوحدة في إطار التعدد، في تحول نوعي مقارنة بالتصورات الأحادية السابقة. كما أن دساتير ما بعد "الربيع العربي" نصت في مضامينها على مكاسب جديدة في مجال التعدد والتنوع، عززت مفهوما جديدا للهوية.

إن بروز المطلب الهوياتي على المستوى الدولي يعكس انتقالا عميقا في طبيعة الصراعات والرهانات، من مرحلة كانت تهيمن فيها الأيديولوجيات الكبرى إلى مرحلة أصبح فيها العامل الثقافي والهوياتي عنصرا حاسما في فهم التحولات العالمية.

وبذلك، لم تعد الهوية مجرد معطى ثقافي ثابت، بل أضحت فاعلا مركزيا في إعادة تشكيل العلاقات داخل المجتمعات وبين الدول، ومجالا حيويا للتفاوض حول الحقوق والانتماء في عالم يتسم بالتعدد والتغير المستمر.

كما يعكس هذا المسار تزايد الوعي بضرورة تدبير التعدد الثقافي في إطار مقاربات ديمقراطية تقوم على الاعتراف والاندماج، بما يضمن التوازن بين الحفاظ على الخصوصيات وتحقيق التماسك الاجتماعي.