أعاد دستور 2011 التوازن إلى الهوية الوطنية المغربية بالمصالحة مع الذات الأمازيغية التي كانت منذ قرون سحيقة وإلى اليوم صلب الهوية المغربية وركيزتها. ذاك ما تؤكده الأبحاث العلمية في مجال الأركيولوجيا بعيداً عن أيديولوجيا الاستلاب والابتلاع المشرقي والغربي.
رغم نسيم الموجة الدستورية الجديدة، لا زال بين ظهرانينا من يعيش خارج التاريخ والجغرافيا ويصر على التمسك بعقلية الإقصاء والتهميش، فقط لأنه وجد نفسه متشبعاً بفكر قومي أو داخل منظومة لغوية يعتقد أن رأسمالها الرمزي له قيمة أكبر في السوق اللغوية. ولأن المغلوب يقلد دوماً الغالب كما يقول ابن خلدون، فإن فئة من النخبة ومن يقتدي بها، تبحث عن انتماء لغوي أو ثقافي بديل، عن وعي أو لا وعي، اعتقاداً منها أن ذلك ربما ينتشلها من وهم دونية لغتها وثقافتها، وقد يمتد ذلك إلى احتقار الذات ومحاربة كل من يدافع عن حقوقها وضرورة حمايتها.
هذا هو حال بعض من بني جلدتنا ولو كانت أصولهم من هذا الوطن أو عاشروا الأمازيغ الشعب الأصلي لتامازغا لأكثر من أربعين يوماً أو منذ أولى الهجرات قروناً خلت، لكنهم يكنون العداء للمكون الأمازيغي في هويتهم الوطنية، بل تحول العداء إلى هوس مرضي وصل إلى حد يمكن معه الحديث عن ظاهرة مقلقة هي "الأمازيغوفوبيا" سواء في الواقع المعيش أو على وسائل التواصل الاجتماعي.
كمثال على ذلك ما تلقيته هذه الأيام من تعليقات قدحية كثيرة بعد نشر صور حول وقفة احتجاجية بالرباط رفع فيها العلم الأمازيغي. هو أمر عادي جداً لأنه علامة مميزة للأمازيغ بشمال إفريقيا كلها، وكرمز يوحد الشعب الأمازيغي بالمنطقة وأيضاً جزر كناري وبعض دول الساحل والصحراء وأيضاً الدياسبورا، تماماً كما يحمل مناصرو فرقة كرة القدم أعلامها الخاصة.
ما حملته التعليقات المعادية من سب وقذف وحتى تهديد ومس بالكرامة وحقوق المواطنة، تنم وتكشف عن جهل مطبق، وتؤكد أنه يجب بذل مجهود أكبر في التوعية بقيم المواطنة وفي شرح معنى الوطن والوطنية وفلسفة الوطن واللحمة الوطنية، وأيضاً معاني الديمقراطية والوحدة والتنوع، وقبل ذلك إعادة تلقين الدين الحقيقي والتركيز على فلسفة اختلاف الثقافات واللغات والأعراق والألوان وحتى المعتقدات، إلى جانب واجبات المواطن في احترام الاختلاف والإيمان بالتعددية وأهمية العيش المشترك واحترام الحق في الحياة وحرية المعتقد والأهم إنسانية الإنسان. كل ذلك لوقف الأمازيغوفوبيا التي قد تتحول إلى سرطان ينخر الذات الوطنية ويهدد لحمة المغاربة ويمس بحق المواطنة للجميع.






