فن وإعلام

عبد الرزاق لكريط يعيد قراءة مولاي عبد الحفيظ من خلال “داء العطب قديم”

كفى بريس (متابعة)

صدر عن منشورات جسور للدراسات التاريخية والاجتماعية كتاب جديد للباحث والمؤرخ عبد الرزاق لكريط، يحمل عنوان “داء العطب: أو كيف ينظر السياسي لوقائع التاريخ”، وسيُعرض لأول مرة ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، قبل أن يُوزَّع لاحقاً على باقي المكتبات.

يندرج هذا العمل في سياق مشروع بحثي طويل راكمه المؤلف في دراسة تاريخ المغرب الحديث والمعاصر، من خلال اشتغاله على قضايا المخزن، والحماية، والقبيلة، والاستعمار، والعرف، والدين، والإثنولوجيا. غير أن هذا الكتاب يفتح زاوية خاصة في هذا المسار، إذ ينتقل من دراسة الوقائع السياسية العامة إلى تفكيك نظرة الفاعل السياسي نفسه إلى التاريخ، من خلال شخصية السلطان مولاي عبد الحفيظ.

يرتكز الكتاب على رصيد مهم من المصادر والوثائق، المنشورة وغير المنشورة، وفي مقدمتها وثائق الأرشيف الدبلوماسي الفرنسي بمدينة نانط، ولا سيما الملفات المتعلقة بمولاي عبد الحفيظ خليفةً، وسلطاناً، ومغترباً. كما يستند المؤلف إلى مخطوط “داء العطب قديم” في نسختين محفوظتين بالخزانة الحسنية، إحداهما طويلة وناقصة، والثانية ضمن مجموع يضم نصوصاً متعددة. ومن خلال هذه المادة الوثائقية، يحاول عبد الرزاق لكريط الاقتراب من صوت مولاي عبد الحفيظ، لا بوصفه موضوعاً للتاريخ فقط، بل باعتباره كاتباً وسياسياً حاول أن يفسر تجربته، ويدافع عن مواقفه، ويؤوّل مسار الأحداث التي كان طرفاً فيها.

ولا يقدم المؤلف هذا العمل بوصفه تحقيقاً للمخطوط أو تعليقاً حاشوياً عليه، بل باعتباره دراسة تاريخية تروم الكشف عن جوانب خفية من شخصية مولاي عبد الحفيظ، ومواقفه السياسية، وطريقته في بناء الحجة، وتبرير القرار، واستدعاء الماضي لفهم الحاضر. فالكتاب لا يتوقف عند اللحظتين الأكثر حضوراً في الذاكرة العامة، وهما بيعة سنة 1908م، وتوقيع معاهدة فاس سنة 1912م، بل يسعى إلى إضاءة ما بينهما وما بعدهما من تفاصيل ومواقف وتوترات، كثيراً ما ظلت خارج التداول الواسع.

من هنا تبرز أهمية الكتاب في كونه يعيد طرح سؤال العلاقة بين التاريخ والسياسة. فالتاريخ، كما يبين المؤلف في مقدمته، لم يكن يوماً سرداً بريئاً للوقائع، بل كثيراً ما كان مجالاً للصراع على المعنى، ووسيلةً لصياغة الشرعية، أو الدفاع عنها، أو نقدها. وفي حالة مولاي عبد الحفيظ، يصبح التاريخ مساحةً للمدافعة السياسية؛ إذ يحاول السلطان، من خلال نص “داء العطب قديم”، أن يضع توقيع معاهدة الحماية داخل سياق أوسع، مفاده أن أزمة الدولة لم تكن وليدة لحظة بعينها، بل نتيجة عطب قديم ومتراكم.

ويعيد الكتاب، بذلك، النظر في صورة مولاي عبد الحفيظ التي اختزلتها الذاكرة العامة في محطات محدودة، ليقدمه بوصفه شخصية مركبة: سلطاناً وفاعلاً سياسياً وكاتباً يحاور التاريخ، ويستحضر وقائعه، ويوظفها في بناء تفسيره الخاص لما جرى. كما يطرح العمل أسئلة دقيقة حول كيفية كتابة السياسي للتاريخ، وكيف ينتقل من موقع الشاهد أو المدون إلى موقع الفاعل الذي يسعى إلى توجيه القراءة، وتبرير الاختيارات، وإعادة ترتيب الوقائع وفق منظور مخصوص.

ويأتي هذا الإصدار الجديد ليغني النقاش التاريخي حول واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ المغرب الحديث، مرحلة الانتقال من السلطنة المستقلة إلى نظام الحماية. كما يفتح الباب أمام قراءة جديدة للمصادر المخطوطة والوثائق الأرشيفية المرتبطة بهذه الفترة، بعيداً عن الأحكام الجاهزة والاختزالات السريعة.

إن “داء العطب: أو كيف ينظر السياسي لوقائع التاريخ” ليس مجرد كتاب عن مولاي عبد الحفيظ، بل هو محاولة لفهم كيف تُكتب السياسة حين تستعين بالتاريخ، وكيف يتحول الماضي إلى مادة للتفسير والدفاع والمرافعة. ومن المنتظر أن يشكل هذا العمل إضافة نوعية للمكتبة التاريخية المغربية، وأن يثير اهتمام الباحثين والقراء المهتمين بتاريخ المغرب، وبالعلاقة الملتبسة بين السلطة والكتابة والذاكرة.