منذ اعتماد القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، دخل المغرب مرحلة مؤسساتية جديدة في مسار الجهوية المتقدمة. فقد انتقلت الجهة من وحدة ترابية ذات أدوار محدودة إلى فاعل يفترض أن يساهم في التخطيط الاستراتيجي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والمجالية. غير أن مرور سنوات على هذه التجربة كشف أن الرهان لم يكن في النصوص وحدها، بل في قدرة المؤسسات الجهوية على تحويل الاختصاصات والبرامج والموارد إلى أثر ملموس في حياة المواطنين.
في هذا السياق، يأتي مشروع القانون التنظيمي رقم 031.26، القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 111.14، باعتباره محاولة لإعادة ترتيب البيت الجهوي، وتجاوز بعض الاختلالات التي أبانت عنها الممارسة. غير أن السؤال الجوهري لا يتعلق فقط بما يقترحه المشروع من تعديلات، بل بمدى قدرته الفعلية على استيعاب دروس التجربة السابقة، وهل يمنح فعلا الجهوية بالمغرب نفسا جديدا، أم أنه يظل إصلاحا تقنيا محدود الأثر؟ 
أولا: التجربة السابقة بين الطموح الدستوري ومحدودية التفعيل
لقد حملت الجهوية المتقدمة، منذ بدايتها، وعدا سياسيا وتنمويا كبيرا. فقد كان المنتظر منها أن تعيد توزيع السلطة التنموية على المستوى الترابي، وأن تجعل القرار أقرب إلى المواطن، وأن تمكن الجهات من بلورة اختياراتها التنموية وفق خصوصياتها المحلية. غير أن التجربة العملية أظهرت وجود مسافة واضحة بين الطموح المعلن والنتائج المحققة.
فالقانون التنظيمي رقم 111.14 منح الجهات اختصاصات واسعة، وكرس مبدأ الاستقلال الإداري والمالي، وفتح المجال أمامها للقيام بأدوار متقدمة في التنمية الترابية. لكن هذه الاختصاصات الواسعة لم تتحول دائما إلى قدرة فعلية على الإنجاز. فقد اصطدمت الجهات بعدة معيقات، منها غموض الحدود بين اختصاصات الدولة والجهات والجماعات الترابية الأخرى، وضعف التنسيق بين المتدخلين، وتعقد المساطر، وبطء تنفيذ المشاريع، وضعف الموارد البشرية والتقنية، إضافة إلى محدودية الموارد المالية مقارنة بحجم الانتظارات.
وهكذا، ظهر أن المشكل لم يكن فقط في نقص الاختصاصات، بل في كيفية ممارستها. فالجهة قد تكون مسؤولة نظريا عن مجال معين، لكنها تجد نفسها عمليا مرتبطة بقرارات مركزية، أو بقطاعات وزارية، أو بمؤسسات عمومية، أو بمساطر إدارية تجعل تدخلها بطيئا ومحدود الأثر. لذلك، فإن التجربة السابقة كشفت أن اللامركزية القانونية لا تكفي إذا لم ترافقها لامركزية فعلية في القرار والموارد والتنفيذ.
ثانيا: تداخل الاختصاصات باعتباره العطب المركزي في التجربة السابقة
من أبرز الصعوبات التي واجهت الجهوية المتقدمة في صيغتها السابقة تداخل الاختصاصات. فقد وُزعت مجالات التنمية بين الدولة والجهات والعمالات والأقاليم والجماعات، لكن دون حسم كاف في المسؤوليات العملية. وكانت النتيجة أن عدة مشاريع ظلت تحتاج إلى موافقات وتنسيقات متعددة، مما أبطأ التنفيذ وأضعف المحاسبة.
في مثل هذه الوضعية، يصبح من الصعب تحديد المسؤول عن التأخر أو الفشل. هل هي الجهة؟ أم القطاع الوزاري؟ أم الجماعة؟ أم المؤسسة العمومية؟ أم سلطة الوصاية؟ هذا الغموض يضعف مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، لأن المسؤولية تكون موزعة بين عدة أطراف دون أن تكون واضحة بما يكفي.
مشروع القانون الجديد يبدو واعيا بهذا الخلل، إذ يجعل من إعادة هندسة الاختصاصات أحد محاوره الأساسية. فهو يدعو إلى الانتقال من تعدد الاختصاصات إلى وضوحها، ومن تشتت التدخلات إلى تكاملها، ومن التدبير الإداري إلى التدبير الاستراتيجي القائم على النتائج. كما يقترح حذف بعض المجالات التي أبانت التجربة عن محدودية أثرها أو تداخلها مع اختصاصات الدولة أو الجماعات الترابية الأخرى. 
غير أن هذا الاستيعاب يظل جزئيا. فالمشروع، من جهة، ينتقد تداخل الاختصاصات، ومن جهة أخرى، يوسع دائرة الاختصاصات المشتركة في مجالات متعددة، مثل البيئة، والتنمية القروية، والثقافة، والسياحة، ومناطق الأنشطة الاقتصادية. وهذا قد يكون مفيدا إذا كان مصحوبا بتعاقد دقيق، لكنه قد يعيد إنتاج الغموض نفسه إذا لم يتم تحديد دور كل طرف بوضوح.
بمعنى آخر، المشروع يدرك المرض، لكنه قد لا يقدم علاجا حاسما له. فهو لا ينتقل بشكل كاف من منطق “الاختصاص المشترك” إلى منطق “المسؤولية المحددة”. والحال أن الجهوية تحتاج إلى وضوح في القيادة: من يقرر؟ من يمول؟ من ينفذ؟ من يراقب؟ ومن يحاسب؟
ثالثا: ضعف آليات التنفيذ في التجربة السابقة
أظهرت التجربة السابقة أن إعداد البرامج الجهوية لا يمثل سوى نصف الطريق. فقد استطاعت الجهات، بدرجات متفاوتة، إعداد برامج ومخططات، لكنها واجهت صعوبات كبيرة في تحويلها إلى مشاريع منجزة. لذلك، لم يكن الخلل دائما في غياب التصور، بل في ضعف القدرة التنفيذية.
وقد تجسد هذا الضعف في بطء المساطر، وتعدد مستويات المصادقة، وضعف الكفاءات المتخصصة، وصعوبة تعبئة العقار، وتداخل الشركاء، وطول آجال الدراسات والصفقات، وأحيانا ضعف الانسجام بين البرنامج الجهوي وأولويات القطاعات الوزارية. وبذلك تحولت بعض برامج التنمية الجهوية إلى وثائق طموحة، لكنها غير قادرة على إنتاج أثر سريع ومباشر.
مشروع القانون الجديد يحاول معالجة هذه النقطة من خلال اقتراح تحويل الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركة مساهمة. ويُفترض أن يسمح هذا التحول بإدخال منطق أكثر مرونة وفعالية، وتسريع إنجاز المشاريع، واستقطاب كفاءات متخصصة، وتعبئة تمويلات مبتكرة، وتنفيذ مشاريع ليس فقط لفائدة الجهة، بل أيضا لفائدة الدولة والجماعات الترابية الأخرى في إطار تعاقدي. 
هذه الفكرة تحمل بالفعل محاولة لإعطاء نفس جديد للتنفيذ الجهوي. فهي تعترف بأن الآليات الإدارية التقليدية لم تعد كافية، وأن الجهة تحتاج إلى ذراع تنفيذي أكثر مهنية وسرعة. لكن هذا التحول يطرح في الوقت نفسه إشكالا عميقا: هل ستصبح هذه الشركات أدوات في يد المجالس الجهوية المنتخبة، أم ستتحول إلى بنيات تقنية تخضع أكثر لمنطق الإدارة والوصاية؟
إن قوة الجهوية لا تقاس فقط بسرعة إنجاز المشاريع، بل أيضا بمن يحدد أولويات هذه المشاريع، ومن يراقب تنفيذها، ومن يقدم الحساب للناخبين. فإذا كان تحويل الوكالات إلى شركات مساهمة سيقوي الفعالية على حساب الرقابة الديمقراطية، فقد نكون أمام تقدم تقني وتراجع سياسي في الوقت نفسه.
رابعا: إشكالية التخطيط الجهوي بين الجودة والزمن التنموي
من الدروس الأساسية للتجربة السابقة أن إعداد برامج التنمية الجهوية كان يتم أحيانا تحت ضغط زمني ومؤسساتي كبير. فالأجل المحدد سابقا لم يكن يسمح دائما بتشخيص ترابي دقيق، ولا بتشاور كاف مع المتدخلين، ولا ببلورة مشاريع ناضجة وقابلة للتنفيذ. ولذلك، يقترح المشروع تمديد أجل إعداد هذه البرامج إلى ثمانية عشر شهرا بدل سنة واحدة.
هذا التعديل يعكس استيعابا واضحا لصعوبة عملية. فالتخطيط الجهوي الجيد لا يمكن أن يكون متسرعا، خصوصا في ظل تعدد الفاعلين وتنوع الحاجيات بين المجالات الحضرية والقروية والجبلية والساحلية والواحاتية. كما أن إعداد برنامج تنموي جدي يقتضي معطيات دقيقة، وتشخيصا تشاركيا، وتنسيقا مع الدولة، وتقديرا للكلفة والتمويل، وترتيبا للأولويات.
لكن تمديد الأجل، رغم وجاهته، يحمل خطرا آخر: إبطاء الانطلاقة التنموية في بداية كل ولاية انتدابية. فإذا استغرقت الجهة سنة ونصفا لإعداد برنامجها، فقد تضيع مدة مهمة من الولاية قبل الشروع الفعلي في تنزيل المشاريع. ولهذا، فإن التمديد لا يكون مفيدا إلا إذا رافقته آليات انتقالية تضمن استمرار المشاريع السابقة، وتسمح بإطلاق المشاريع ذات الأولوية دون انتظار انتهاء البرنامج كله.
وقد انتبه المشروع جزئيا إلى هذا الإشكال حين نص على ضرورة مراعاة المشاريع المبرمجة خلال الولاية الانتدابية السابقة، بما يضمن استمرارية العمل العمومي ويحد من الانقطاعات. وهذه نقطة إيجابية لأنها تعالج إحدى مشاكل التدبير الترابي، وهي أن كل ولاية قد تبدأ من الصفر أو تعيد ترتيب الأولويات بشكل يقطع مع ما سبق. 
مع ذلك، يبقى السؤال مطروحا: هل ستصبح الاستمرارية قاعدة ملزمة، أم مجرد توجيه عام؟ وهل ستخضع البرامج الجهوية لتقييم موضوعي قبل تعديلها أو التخلي عن بعضها؟ إن استمرارية السياسات العمومية لا تتحقق بالنص فقط، بل تحتاج إلى قواعد مؤسساتية تمنع هدر الزمن التنموي.
خامسا: الموارد المالية بين الاعتراف بالخصاص وغموض العدالة المجالية
من أهم ما يميز المشروع الجديد أنه لا يتحدث عن الاختصاصات فقط، بل يربط الإصلاح بتقوية الموارد المالية. فهو يقترح الرفع من التحويلات المالية لفائدة الجهات بما لا يقل عن 12 مليار درهم سنويا ابتداء من سنة 2027. وهذا المعطى يعكس استيعابا مهما لدرس التجربة السابقة: لا معنى لاختصاصات واسعة دون موارد كافية.
لقد عانت الجهات في التجربة السابقة من فجوة بين المهام والوسائل. فانتظارات المواطنين كبيرة، وحاجيات البنيات التحتية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية واسعة، لكن الموارد المالية والبشرية لم تكن دائما في مستوى هذه الانتظارات. ولذلك فإن أي إصلاح جدي للجهوية يجب أن يبدأ من سؤال التمويل.
غير أن نقطة الضعف تكمن في أن المشروع لا يوضح بما يكفي فلسفة توزيع هذه الموارد. فالمغرب لا يتوفر على جهات متساوية من حيث الثروة، والجاذبية الاستثمارية، والبنيات التحتية، والقدرة الجبائية، ومؤشرات التنمية البشرية. وهناك جهات قادرة على جذب الاستثمار وإنتاج الموارد، وجهات أخرى تحتاج إلى تضامن وطني قوي لتجاوز التأخر البنيوي.
لذلك، فإن رفع الغلاف المالي، رغم أهميته، لا يكفي وحده لإعطاء نفس جديد للجهوية. المطلوب هو ربط التمويل بمنطق العدالة المجالية. أي أن توزع الموارد وفق معايير واضحة، مثل عدد السكان، مستوى الهشاشة، الخصاص في التجهيزات، المساحة، معدل البطالة، الفقر، القدرة الجبائية، وحجم التأخر التنموي.
أما إذا تم توزيع الموارد دون معايير دقيقة وشفافة، فقد يؤدي الإصلاح إلى تقوية الجهات القوية أصلا، وإبقاء الجهات الضعيفة في موقع التبعية والانتظار. وهنا يصبح التمويل أداة لإعادة إنتاج الفوارق بدل تقليصها.
سادسا: هل يمنح المشروع الجهة دورا اقتصاديا أقوى؟
يحاول المشروع إعادة توجيه تدخلات الجهة نحو دعم الاستثمار المنتج، وتحفيز المبادرة المقاولاتية، والإسهام في تعبئة العقار لإحداث مناطق الأنشطة الاقتصادية. وهذا توجه مهم، لأنه ينقل الجهة من منطق اجتماعي وخدماتي محدود إلى منطق اقتصادي وتنموي أوسع.
وقد كشفت التجربة السابقة أن الجهات لم تنجح دائما في أن تصبح محركات اقتصادية حقيقية. فقد ظل الاستثمار في كثير من الأحيان مرتبطا بالمركز أو بالمؤسسات الوطنية، بينما ظلت الجهات تفتقر إلى أدوات عملية للتأثير في النسيج الاقتصادي المحلي. كما أن مشاكل العقار، وضعف المناطق الصناعية والاقتصادية، وتفاوت البنيات التحتية، كلها عوامل حدت من قدرة الجهات على خلق دينامية استثمارية خاصة بها.
من هذه الزاوية، فإن إدراج تعبئة العقار ومناطق الأنشطة الاقتصادية يعكس استيعابا لصعوبة واقعية، لأن الاستثمار لا يتحقق بالشعارات، بل يحتاج إلى عقار مجهز، وبنيات استقبال، ومساطر واضحة، وربط بالنقل والطاقة والماء والرقمنة.
لكن المشروع يبدو حذرا في منح الجهة قيادة اقتصادية كاملة. فهو يحذف مفهوم “جذب الاستثمار” باعتباره نتيجة لتكامل السياسات العمومية وليس اختصاصا قائما بذاته. هذا التبرير مفهوم جزئيا، لكنه قد يضعف طموح الجهة في بناء هوية اقتصادية وتنافسية خاصة بها. فالجهة، في التجارب المقارنة، ليست فقط منفذا لمشاريع الدولة، بل فاعل في التسويق الترابي، وتحسين مناخ الأعمال المحلي، وبناء الشراكات، وتوجيه الاستثمار نحو القطاعات الملائمة لخصوصياتها.
لذلك، فإن المشروع يعطي الجهة دورا اقتصاديا أوضح من السابق، لكنه لا يذهب بعيدا بما يكفي في جعلها فاعلا اقتصاديا قائدا داخل مجالها الترابي.
سابعا: الرقمنة كفرصة غير مستثمرة بالكامل
إدراج التنمية الرقمية كاختصاص استراتيجي جديد يعد من الجوانب الإيجابية في المشروع. فالتحولات الرقمية أصبحت اليوم مدخلا أساسيا لتحسين الخدمات، وتبسيط المساطر، وجذب الاستثمار، وتعزيز الشفافية، وتقليص الفوارق المجالية.
لكن النص يتعامل مع الرقمنة غالبا كقطاع من قطاعات التدخل، لا كأداة عابرة لإصلاح التدبير الجهوي كله. والحال أن الرقمنة كان يمكن أن تكون أحد مفاتيح إعطاء نفس جديد للجهوية، من خلال اعتماد منصات رقمية لتتبع المشاريع، ونشر المعطيات المالية، وتلقي شكايات المواطنين، وتتبع الصفقات، ومراقبة نسب الإنجاز، وربط الجهات بالقطاعات الوزارية في نظام معلوماتي موحد.
فالتجربة السابقة عانت من ضعف المعطيات، وتشتت المعلومات، وصعوبة تتبع المشاريع، وغياب رؤية موحدة حول ما ينجز فعلا على الأرض. وكان يمكن للتعديل الجديد أن يجعل من الرقمنة وسيلة لتجاوز هذه الأعطاب، لا مجرد اختصاص إضافي.
وبالتالي، فإن المشروع يستوعب أهمية الرقمنة من حيث المبدأ، لكنه لا يستثمرها بما يكفي كآلية للحكامة والمحاسبة والشفافية.
ثامنا: العلاقة بين المنتخب والوالي: استمرار التوتر البنيوي في الجهوية
من أعمق أسئلة الجهوية بالمغرب سؤال العلاقة بين المجلس الجهوي المنتخب وممثل السلطة المركزية. فالتجربة السابقة أظهرت أن الجهة، رغم انتخاب مؤسساتها، ظلت تتحرك داخل منظومة قوية من الرقابة الإدارية والتنسيق المركزي. وهذا خلق أحيانا توترا بين منطق اللامركزية، الذي يفترض استقلال القرار الترابي، ومنطق اللاتمركز، الذي يجعل الدولة حاضرة بقوة عبر ممثليها.
المشروع الجديد لا يحسم هذا التوتر، بل قد يعيد إنتاجه بصيغة جديدة. فهو يتحدث عن تعزيز دور الجهة، لكنه في الوقت نفسه يمنح والي الجهة دورا مهما في مراقبة القرارات الاستراتيجية المرتبطة بشركات تنفيذ المشاريع. وقد يكون هذا مفهوما من زاوية حماية المال العام وضمان الانسجام مع السياسات الوطنية، لكنه يطرح سؤالا حول حدود استقلالية القرار الجهوي.
إذا كان الوالي يراقب القرارات الاستراتيجية، وإذا كانت الشركات التنفيذية تشتغل في إطار تعاقدي متعدد الأطراف، وإذا كانت الموارد والتحويلات مرتبطة بالدولة، فما هو الهامش الحقيقي المتبقي للمجلس الجهوي المنتخب؟
إن إعطاء نفس جديد للجهوية لا يعني فقط تحسين أدوات التنفيذ، بل يعني أيضا تعزيز الثقة في المؤسسات المنتخبة، وتمكينها من المبادرة، وتحميلها المسؤولية أمام المواطنين. أما إذا بقيت الجهة محكومة بمنطق وصائي قوي، فإن الجهوية ستظل متقدمة في النص، محدودة في الممارسة.
تاسعا: حضور المواطن ما يزال ضعيفا في فلسفة التعديل
من نقاط ضعف التجربة السابقة أن الجهوية لم تتحول بما يكفي إلى تجربة مواطنة يومية. فكثير من المواطنين لا يشعرون بوضوح بدور الجهة في حياتهم، ولا يميزون بين اختصاصات الجهة والجماعة والعمالة والوزارة. كما أن آليات المشاركة والتشاور والتقييم ظلت محدودة الأثر في كثير من الحالات.
المشروع الجديد يركز أساسا على الاختصاصات، التعاقد، الشركات، التمويل، والتنسيق بين المؤسسات. لكنه لا يمنح المواطن والمجتمع المدني موقعا مركزيا في هذا الإصلاح. وهذا نقص مهم، لأن الجهوية المتقدمة لا ينبغي أن تكون مجرد هندسة مؤسساتية بين الدولة والجهات، بل يجب أن تكون آلية لتقريب القرار من المواطنين.
كان من الممكن أن يتضمن المشروع مقتضيات أقوى بخصوص نشر تقارير تنفيذ المشاريع، وإلزام الجهات بمنصات شفافة لتتبع البرامج، وتمكين المواطنين من معرفة الكلفة والآجال ونسب الإنجاز، وتقوية دور الهيئات الاستشارية، وربط تقييم البرامج بأثرها على الساكنة.
فإذا لم يشعر المواطن بأن الجهوية تحسن النقل، وفرص الشغل، والخدمات، والاستثمار المحلي، والعدالة المجالية، فإن الإصلاح سيظل نخبويا ومؤسساتيا، ولن يتحول إلى نفس ديمقراطي وتنموي حقيقي.
عاشرا: هل نحن أمام نفس جديد أم إعادة ضبط تقنية؟
يمكن القول إن مشروع القانون التنظيمي رقم 031.26 يحمل بالفعل عناصر قادرة على إعطاء دفعة جديدة للجهوية، خاصة من خلال الاعتراف بصعوبات التجربة السابقة، وتدقيق بعض الاختصاصات، وتعزيز الموارد المالية، وتحديث آليات التنفيذ، والاهتمام بالاستمرارية والتعاقد.
غير أن هذا النفس الجديد يظل مشروطا. فإذا تم الاكتفاء بإعادة ترتيب الاختصاصات وتحويل الوكالات إلى شركات مساهمة دون تقوية الرقابة الديمقراطية، ودون توضيح المسؤوليات، ودون ضمان عدالة توزيع الموارد، فقد يكون الإصلاح مجرد إعادة ضبط تقنية للمنظومة القائمة.
أما إذا تم استكمال المشروع بتدابير واضحة في المحاسبة، والشفافية، واستقلالية القرار الجهوي، وربط التمويل بالنتائج، وتقوية المشاركة المواطنة، فقد يشكل فعلا منعطفا في مسار الجهوية المتقدمة.






