تحليل

هل انخفضت البطالة فعلا أم تغيّرت طريقة قياسها؟

إدريس الفينة (محلل اقتصادي)

أصدرت المندوبية السامية للتخطيط، بتاريخ 4 ماي 2026، نشرة حول وضعية سوق الشغل بالمغرب خلال الفصل الأول من سنة 2026. غير أن هذه النشرة ليست مجرد إصدار ظرفي عادي، بل تمثل انتقالا منهجيا مهما، لأنها أول نشرة مبنية على البحث الجديد حول القوى العاملة EMO2026، الذي عوّض البحث الوطني حول التشغيل ENE.


حسب النشرة، بلغ معدل البطالة بالمفهوم الضيق 10,8% خلال الفصل الأول من سنة 2026. لكن قراءة هذا الرقم لا ينبغي أن تتم كما لو أنه استمرار عادي للسلسلة السابقة، لأننا أمام تغيير في الإطار المفاهيمي والمنهجي لقياس الشغل والبطالة وضعف استعمال اليد العاملة.


من حيث المبدأ، لا يمكن الاعتراض على تحديث المنهجية. فالمندوبية انتقلت إلى إطار أقرب إلى المعايير الدولية الحديثة، خصوصا توصيات منظمة العمل الدولية، وهي وكالة متخصصة ضمن منظومة الأمم المتحدة. غير أن المعطى المهم هنا هو أن هذه التوصيات ليست جديدة؛ فقد اعتمدها المؤتمر الدولي التاسع عشر لإحصائيي الشغل في أكتوبر 2013، من خلال القرار المتعلق بإحصاءات العمل والتشغيل وضعف استعمال اليد العاملة. أي أن الإطار المرجعي الذي تستند إليه المنهجية الجديدة موجود منذ حوالي 13 سنة.


هذا المعطى يطرح سؤالا مؤسساتيا مشروعا: لماذا تأخر اعتماد هذه المنهجية إلى سنة 2026؟ إذا كانت التوصيات الدولية معروفة منذ 2013، وكانت المندوبية، بحكم طبيعة عملها وعلاقاتها التقنية مع منظمة العمل الدولية وباقي المؤسسات الدولية، على اطلاع بها، فلماذا لم يتم الانتقال إليها تدريجيا منذ سنوات؟ ولماذا لم يتم إنتاج مؤشرات موازية وفق المنهجيتين خلال فترة انتقالية تسمح للباحثين وصناع القرار والرأي العام بفهم أثر التغيير المنهجي على الرقم المعلن؟


التوصيات الدولية الجديدة تعتمد تعريفا أدق للبطالة، يقوم على ثلاثة شروط متزامنة: أن يكون الشخص بدون شغل، وأن يكون مستعدا للعمل، وأن يكون قد قام ببحث فعلي عن شغل خلال فترة مرجعية محددة. وهذا التعريف مفيد للمقارنة الدولية، لكنه أضيق من الفهم الاجتماعي الواسع للبطالة، ومن بعض الممارسات السابقة التي كانت تلتقط فئات حدودية مرتبطة بسوق الشغل.


فالأشخاص الذين لا يشتغلون ويرغبون في العمل، لكنهم لا يبحثون فعليا عن شغل، أو الذين يبحثون عن عمل لكنهم غير مستعدين حاليا، لا يختفون من الواقع الاقتصادي والاجتماعي. هم فقط ينتقلون، حسب التصنيف الجديد، إلى فئات أخرى مثل “القوة العاملة المحتملة” أو خارج القوة العاملة. لذلك، فإن انخفاض معدل البطالة بالمفهوم الضيق لا يعني بالضرورة انخفاض الضغط الحقيقي على سوق الشغل بنفس الحجم.


وهنا يكمن جوهر النقاش: جزء من الانخفاض في معدل البطالة قد يكون ناتجا عن تغيير حدود الظاهرة المقاسة، وليس فقط عن خلق مناصب شغل جديدة أو تحسن فعلي في الإدماج الاقتصادي. عندما نغير تعريف الشغل والبطالة والقوة العاملة، فإننا لا نغير فقط طريقة الحساب، بل نغير كذلك مجال الظاهرة الإحصائية نفسها.


لذلك، ومن زاوية الممارسة الإحصائية الرصينة، كان من المفروض أن يرافق هذا الانتقال نشر أرقام موازية وفق المنهجيتين، أو على الأقل جداول عبور ومعاملات ربط تسمح بفصل الأثر المنهجي عن الأثر الحقيقي. بدون ذلك، تصبح المقارنة المباشرة بين أرقام ما قبل التغيير وما بعده مقارنة غير سليمة، لأنها تخلط بين تطور سوق الشغل وتغير أداة القياس.


المندوبية نفسها تشير إلى أن البحث الجديد حول القوى العاملة صُمم وفق المعايير الدولية الحديثة، وأن نتائجه لا تقارن مباشرة بنتائج البحث السابق بسبب الاختلافات المفاهيمية. وهذه نقطة أساسية يجب أن تكون حاضرة في أي نقاش عمومي حول الانخفاض المعلن في البطالة.


كما أن المنهجيات الدولية الحديثة لا تدعو إلى الاكتفاء بمعدل البطالة الضيق وحده. على العكس، فهي توصي بالنظر إلى لوحة قيادة أوسع تشمل: معدل البطالة بالمفهوم الضيق، والبطالة مضافا إليها الشغل الناقص، والبطالة مضافا إليها القوة العاملة المحتملة، والمؤشر المركب لضعف استعمال اليد العاملة. وهذه المؤشرات مجتمعة هي التي تسمح بفهم الضغط الحقيقي على سوق الشغل، خصوصا في اقتصاد يعرف وزنا مهما للقطاع غير المهيكل، وضعفا في مشاركة النساء، وانتشارا للشغل الهش والموسمي.


وهذا ما يجعل قراءة معدل 10,8% وحده قراءة ناقصة. فالنشرة نفسها تقدم مؤشرات أوسع تكشف أن الضغط على سوق الشغل أكبر من الرقم الرسمي الضيق. لذلك، فالمنهجية الجديدة تكون سليمة وقوية عندما تُستعمل كاملة، لا عندما يُنتقى منها رقم واحد لتقديم صورة مبسطة عن واقع أكثر تعقيدا.