تحليل

المغرب الإقتصادي بين الطموح والإختبار: قراءة في المسار والآفاق

منير لكماني ( من ألمانيا)

يشهد المغرب منذ سنوات مسارا إقتصاديا متدرجا، حاول من خلاله الإنتقال من إقتصاد تقليدي محدود الموارد إلى إقتصاد أكثر إنفتاحا وتنوعا. وقد رافق هذا التحول توجه واضح نحو تحديث التجهيزات الكبرى، وجلب الإستثمارات، وتقوية حضور المملكة في المبادلات الدولية. غير أن هذا المسار، رغم ما حققه من نتائج معتبرة، لا يزال يواجه أسئلة عميقة تتعلق بجودة النمو، وعدالة توزيع ثماره، وقدرته على توفير فرص كريمة للمواطنين.

مرتكزات الصلابة الإقتصادية

من أهم عناصر القوة في التجربة المغربية قدرة البلاد على الحفاظ على حد أدنى من التوازن والإستقرار. فقد مر الإقتصاد الوطني بأزمات متتالية، منها الجفاف، والإضطرابات الصحية العالمية، وتقلب أسعار المواد الأساسية، ومع ذلك لم يدخل في حالة إنهيار أو إرتباك شامل. ويعود ذلك إلى وجود مؤسسات مالية ونقدية راكمت خبرة في التدبير، وإلى سياسة إقتصادية تميل غالبا إلى الحذر والتدرج.

هذا الإستقرار يمنح المستثمرين قدرا من الثقة، ويجعل المغرب بلدا قابلا للتخطيط على المديين المتوسط والبعيد. كما أن موقعه الجغرافي القريب من أوروبا، والمرتبط بإفريقيا والعالم العربي، يمنحه أفضلية مهمة في التجارة والنقل والخدمات.

قوة التجهيز والربط

راهن المغرب بقوة على بناء الطرق، والموانئ، والمطارات، والمناطق الصناعية، وشبكات النقل الحديثة. وقد ساعدت هذه الإختيارات على تحسين صورة البلاد لدى المستثمرين، وجعلت عددا من المدن أكثر إرتباطا بالأسواق الداخلية والخارجية. كما أن تطوير الطاقات المتجددة منح المغرب موقعا متقدما في مجال يحظى بأهمية عالمية متزايدة.

هذه المشاريع لا تخلق فقط بنية مادية، بل تفتح المجال أمام أنشطة جديدة في الصناعة، والخدمات، والتصدير. ولذلك يمكن إعتبار التجهيزات الكبرى أحد الأعمدة التي يستند إليها الإقتصاد المغربي اليوم.

تنوع أكبر في مصادر الدخل

لم يعد الإقتصاد المغربي مرتبطا بقطاع واحد كما كان في مراحل سابقة. فقد توسعت قطاعات الخدمات، والسياحة، والإتصالات، والمالية، والنقل، كما ظهرت صناعات حديثة مرتبطة بالسيارات، والطيران، والمكونات الكهربائية. هذا التنوع ساعد على تخفيف أثر الأزمات التي تضرب قطاعا معينا، خاصة الفلاحة التي تبقى شديدة الإرتباط بالمناخ.

كما أن حضور المغرب في بعض سلاسل الإنتاج الدولية أصبح أكثر وضوحا، وهو ما يعكس قدرة البلاد على الإندماج في أسواق تنافسية. غير أن هذا الإندماج يحتاج إلى تعميق، حتى لا يبقى محصورا في التجميع أو الأعمال ذات القيمة المحدودة.

معضلة الشغل والإنتاجية

رغم توسع الإقتصاد، لا تزال فرص العمل أقل من حاجيات المجتمع، خصوصا بالنسبة إلى الشباب وخريجي الجامعات. وهذه من أكبر المفارقات في التجربة المغربية: فالمشاريع موجودة، والإستثمار قائم، لكن الأثر الإجتماعي لا يظهر دائما بالقوة المطلوبة.

ويرتبط ذلك بطبيعة بعض القطاعات التي تحتاج إلى رأسمال كبير ولا تستوعب عددا واسعا من العاملين. كما أن ضعف التكوين، ومحدودية المهارات التقنية، وصعوبة إنتقال الشباب نحو مهن المستقبل، كلها عوامل تجعل سوق العمل أقل قدرة على الإستفادة من التحولات الجارية.

ضعف الإبتكار والشركات القاطرة

من أبرز التحديات كذلك غياب عدد كاف من الشركات الوطنية الكبرى القادرة على المنافسة عالميا في مجالات التكنولوجيا، والبرمجيات، والصناعات المتقدمة. فالإقتصاد الحديث لا يقوم فقط على الطرق والمصانع، بل يحتاج أيضا إلى المعرفة، والبحث العلمي، والإختراع، والعلامات التجارية القوية.

ولا تزال العلاقة بين الجامعة والمقاولة ضعيفة، كما أن الإستثمار في البحث والتطوير لا يرقى إلى مستوى طموحات البلاد. وهذا يحد من قدرة المغرب على الإنتقال من إقتصاد ينفذ ويجمع، إلى إقتصاد يبتكر ويصمم ويصدر المعرفة.

المجال القروي والتبعية الخارجية

يبقى العالم القروي من أكبر نقاط الهشاشة. فضعف الدخل، وقلة فرص العمل، وتأثر الفلاحة بالجفاف، كلها عوامل تجعل الفوارق بين المدن والقرى مستمرة. كما أن إعتماد البلاد على إستيراد الطاقة، والتجهيزات، والتكنولوجيا يضع ضغطا على الميزان التجاري، ويجعل الإقتصاد عرضة لتقلبات الخارج.

يملك المغرب قاعدة إقتصادية مهمة، وموقعا إستراتيجيا، وتجربة معتبرة في جذب الإستثمار وبناء التجهيزات. لكن المرحلة المقبلة تتطلب إنتقالا أعمق نحو إقتصاد منتج للمعرفة، خالق للشغل، ومندمج إجتماعيا ومجاليا. فالقوة الحقيقية ليست في تحقيق النمو فقط، بل في تحويله إلى كرامة، وفرص، وعدالة، وإستقلال إقتصادي أكبر.