نظم مجلس الجالية المغربية بالخارج، الخميس 7 ماي 2026، في إطار مشاركته في المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، لقاء أدبيا خُصص للاحتفاء بأعمال محمد لفتح، بمشاركة كل من ابنة الكاتب الراحل، نزهة لفتح، والكاتب والناقد المغربي الفرنسي سليم جاي، والأستاذ الجامعي خالد زكري، بالإضافة إلى الكاتب المعطي قبال.
وفي كلمته الافتتاحية، ذكّر المعطي قبال، الذي أشرف على تسيير اللقاء، بغزارة الإنتاج الأدبي التي ميز السنوات الأخيرة من حياة الكاتب؛ ففي سنة 2006 وحدها، نشر محمد لفتح ثلاث روايات ومجموعة قصصية، قبل أن يصدر سنة 2007 رواية «L’Enfant du marbre»، التي وصفها بأنها «نص متوهج».
نزهة لفتح: أفضل تكريم للكاتب هو نشر أعماله
في شهادة قدمتها بهذه المناسبة، عبرت ابنته الوحيدة، نزهة لفتح، عن شكرها لمجلس الجالية المغربية بالخارج وجميع الفاعلين من دور نشر وصحافيين ومثقفين، الذين ساهموا عبر نشر أعمال محمد لفتح في التعريف بهذا الموروث الأدبي، معتبرة أن نشر الكتب هي الوسيلة التي تجعل الشخص يبقى دائم الحضور.
وتوقفت نزهة لفتح في مداخلتها على المسار الشخصي لوالدها الذي نشأ في خليط ثقافي في أسرة تنحدر منها الأم من فاس، بينما ينتمي الأب إلى منطقة سوس، وارتباطه بالعائلة، مؤكدة على أن والدها الذي نشأ في وسط مثقف وكان له تكوين أكاديمي ودرس الهندسة، لكنه اختار أن يهتم في العديد من مؤلفاته بأصوات الهامش، “بالنسبة لي كان شخصا واضحا ويجيد الاستماع الى الآخر، وكثير الحرص سواء مع نفسه أو مع الآخرين” تقول.
وأشادت المتدخلة بدور الكاتب المغربي إدموند عمران المالح الذي ساعد في نشر أول رواية له، والكاتب سليم جاي، وكذا بعض دور النشر التي نشرت أعمال لفتح في المغرب، مثل “ملتقى الطرق” و”فاصلة”، وكل من ساهم في نشر أعماله على الصعيد الدولي.
وقرأت نزهة لفتح بعض المقتطفات الروائية والشعرية من أعمال والدها، التي تجمع بين أدبه ومسار حياته، مع التركيز بشكل خاص على نص حميمي نشر مؤخرا بعنوان Florilège pour Hannah، عن منشورات فاصلة، وهو عبارة عن مختارات شعري أهداها محمد لفتح لحفيدته “أنا” المزدادة في باريس؛ وقد كتبها بمناسبة ولادتها عندما كان في العاصمة الفرنسية، وجمعها خلال عودته إلى القاهرة لتكون هدية أول عيد ميلاد لها” تقول نزهة لفتح مشددة على أنه نص يلخص أعمال وأفكار الكاتب الراحل.
وبالنسبة للمتدخلة، فقد كان محمد لفتح الذي عاش بين المغرب ومصر وفرنسا، كاتبا عالميا عابرا للحدود، وشخصا متفردا بذاته وبحريته في التفكير، مشيرة إلى أن أهم مبادرة يمكن القيام بها لتكريمه هي نشر أعماله والتعريف بإصداراته لدى الجمهور الواسع.
في مداخلته خلال هذه الندوة، استحضر الكاتب والناقد سليم جاي، بعض مشاهد من العلاقة القوية التي كانت تجمعه بمحمد لفتح، مؤكدا أنه كان من القلائل الذين دافعوا عن روايته “أنسات نوميديا” أثناء إعداده لـ«معجم الكتّاب المغاربة» سنة 2004؛ فبالنسبة إليه فلفتح هو كاتب استثنائي، “بل ربما أكثر الكتاب المغاربة الذين يكتبون بالفرنسية صدقا، بحيث يجمع بين السحر الأدبي وصدق التعبير”.
ويرى سليم جاي أن هذا التداخل بين الصدق و”الجذرية في الابتكار” هو ما يجعل رواية «L’Enfant du marbre» «عملًا منقطع النظير، مضيفا أن “قراءة هذا النص هي متعة فريدة، لأنه يجرؤ على كل شيء، وينتقل من أشد أشكال الحزن كثافة إلى أكثر صور التمرد جنونا، وصولا إلى ابتكار حكاية غامضة يكشف لنا جميع خيوطها وأسرارها”، يقول سليم جاي الذي رفض الظهور بقبعة الناقد واختار قراءة مقاطع من الرواية، معتبرا أن لفتاح أقدر على شرح ذاته من أي خطاب نقدي آخر.
من جهته، قدم أستاذ الأدب بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس، خالد زكري، خلال هذه الندوة، قراءة تجمع بين البعد الأكاديمي والتجربة الشخصية، بحكم مشاركته لمحمد لفتاح في عدد من النقاشات وتخصيصه له عدة دراسات وكتابات، ورسم صورة لكاتب يتسم بثراء داخلي بالغ التعقيد، مقرون بطاقة إبداعية ويقظة أدبية نادرتين.
وأكد خالد زكري في هذا الصدد، أن لفتح هو مثقف موسوعي، وينطلق دائما في قصصه من اسم أو من قراءة، ثم يبني انطلاقا من ذلك عالما كاملا، مبرزا فيما يتعلق بالبعد المناهض للنزعة الأخلاقية، في أعمال لفتح علمه بأن الأخلاق لا مكان لها داخل الأدب بوصفها سلطة معيارية، وبأن الأدب يمكن أن يُعاش بوصفه تجربة إنسانية عميقة.
ويرى خالد زكري أن أكثر ما يلفت القارئ هو قدرة لفتح على التطرق إلى أكثر المناطق عتمة في الوجود دون أن يثقل النص أو يفقده جماله، “فعند قراءته، ننسى أنه يحدثنا عن أشياء قاتمة ومقلقة، لأن اللغة والاستعارات تنقلنا إلى مستوى آخر من التلقي” يضيف، الأكاديمي مشددا على أن ما كان يشغل محمد لفتاح أساسا هو الإنسان بكل تناقضاته، في جانبه المضيء كما في جانبه المظلم.






